الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٧٥الدعائم
وقد خلف من بعده من ساروا على هديه منهم عبد الله بن إباض التميمي الذي شاع أمره في الأقطار الإسلامية، داعيًا إلى الله، وقد اشترك في الدفاع عن الكعبة المشرفة إلى جانب ابن الزبير ضد الجيش الأموي عام 63 هـ (682 م) احتسابًا في الجهاد ضد الأمويين، ونصرة للحق.
وكان ابن إباض قد ذهب من البصرة إلى مكة مع نجدة بن عامر ونافع بن الأزرق وغيرهم مدفوعين برغبتهم في الدفاع عن البيت الحرام، على الرغم من اختلافهم مع ابن الزبير في المبادئ، وعندما انسحب الجيش الشامي عقب وفاة يزيد بن معاوية حاول ابن إباض ومن معه إقناع ابن الزبير بوجهة نظرهم، ووعدوه بالنصرة والمساعدة إن وافقهم، ولكن ابن الزبير خالفهم فتركوه وعاد ابن إباض ومن معه إلى البصرة حيث دار نقاش حاد حول الخطوة التالية الواجب اتخاذها حيال التطورات التي تمر بها الدولة الإسلامية آنذاك، وهل الخروج واجب، أم أن البقاء بين أن البقاء بين أظهر المسلمين والتعايش معهم هو الأحسن في تلك الفترة؟
وقد استقر رأي زعمائهم على الخروج وفضل ابن إباض القعود، وفارق ابن الأزرق وأتباعه؛ وأدى هذا الانقسام في الموقف السياسي إلى تباين فكري وعقدي، فقد نادى الذين أثروا الخروج بآراء متطرفة وتبنوا مواقف مغالى فيها تجاه بقية المسلمين بمن فيهم الذين أثروا القعود.
واختار الذين أثروا القعود ابن إباض ليكون المجادل باسمهم ضد الأزارقة وغيرهم من الفرق التي تطرفت، فأصبح ابن إباض زعيم حركة المعارضين ضد المتطرفين في الدين وتكوّنت الفرقة الإباضية، ونسبت تكوينها إلى ابن إباض نفسه، بَيْد أن الإمام الروحي وفقيه الإباضية هو جابر بن زيد الذي بلور الفكر الإباضي بحيث أصبح متميزا عن غيره من المذاهب الإسلامية، ولا توجد لابن إباض مسألة واحدة تؤثر عنه في المذهب الإباضي.