الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٥١٤514
مائة كتاب إباضي
واختلف الناس في العموم والظاهر وأخبار الآحاد إذا تعارضت أيها أقوى. قال بعضهم: إن أخبار الآحاد أقوى من الظاهر، وقال بعضهم: العموم أولى، ألا ترى إلى عمر كيف أبطل حديث فاطمة بنت قيس، وقال: لا ندع كتاب الله وعل إلى قول امرأة لا ندري أصابت أم أخطأت فأوجب النفقة والسكنى للمبتوتة، والظاهر والعموم وأخبار الآحاد وهي طرق، مستعملة فإذا تقاومت غلبوا عليها الرأي والقياس واستصحاب الأحوال.
وعن الأمر والنهي يذكر المؤلف أن الجميع قد اتفق أن الأمر لا يفيد حسن المأمور، ولا النهي قبح المنهي عن أن هذا حسن وأن هذا قبيح. وإنما يعلمان من جهة الشرع ولا يعلمان أيضًا من جهة المصلحة خلافًا للقدرية الذين يقولون إن الله و لا يكلف عباده إلا من جهة المصلحة.
وقد يكون التكليف والأمر ابتلاء ويكون رحمة، فمن الشرع يقتبس حُسْن الحَسَن وقبح القبيح، لا من جهة العقل إلا ما يتعلق بالعقل من جهة الواجبات وأخواتها، والمباح خارج عن حد الحُسْن والقبح، كما أنه خارج عن حد الطاعة والمعصية. وقد اجتمعت الأمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى الإنس كافة والجن كافة، ولم يكلف أحدًا أكثر من مقدرته، فمن شاهده أبلغه، ومن غاب كتب وأرسل إليه وأوصى.
ويتساءل المؤلف: هل يصح أن يكلف الله عباده ويأمرهم وينهاهم بأوامره ونواهيه ولا عقوبة ولا مثوبة؟ وهل يسوغ أن يأمرهم وينهاهم ويجعل مثوبتهم ترك عقابهم إن أطاعوا وأما إن عصوا فيعافيهم أو عكس ذلك؟ وهل يسوغ في العقل أن يكون الجزاء منقطعًا كما ينقطع العمل؟ أو يجعل إحدى المثوبتين منقطعة والأخرى دائمة الجواب؟ إن هذا كله سائغ في العقل لا استحالة له، وليس فيه شيء يبطل الحكمة. ويطرح المؤلف سؤالا آخر: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متعبدًا عارفا بالله وعل