مائة كتاب إباضي محمد كمال إمام [دارس عن الإباضية]

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٨٧

المدونة الكبرى

87

وتشدد بعض تلامذة جابر في استعمال الرأي، فلم يبيحوه إلا عند الضرورة القصوى من ذلك أن أبا عبيدة لما سمع أن أهل عُمان يستعملون الرأي قال: إنهم لم يسلموا من الفروج والدماء».

وقد اتفقت المصادر في نسبة القول بالرأي إلى الإمام جابر بن زيد، وأنه كان يرى مصادر التشريع متمثلة في الكتاب والسُّنَّة والرأي، وإن كان يعتقد أن رأي الصحابة أفضل من رأيه الشخصي، فهو مقدم في الاعتبار.

أما

مصطلح الرأي فلم يكن أول الأمر محدد المعالم لكثير من مصطلحات علم الأصول، وكان مفهومه واسعًا تندرج تحته أصول عدة، تشمل القياس والاستحسان والمصالح المرسلة وغير ذلك، بل يضاف إليه أيضا الإجماع

والاجتهاد اللذين كان يعبّر عنهما أوائل الإباضية بالرأي؛ لأنهما يستمدان منه.

وقد ثبت عن جابر قوله بالرأي في مسائل عديدة، وما كان ينكر إلا الرأي الذي يخالف الأثر، ويفضل اجتهاد الصحابة على من بعدهم للعلة التي أوضحها، وهي مصاحبتهم للرسول ومشاهدتهم للتنزيل، وإذا خلت المسألة من نص أو أثر فُسِحَ حينئذٍ للرأي مجاله، وسُمِعت كلمته.

ولكن أبا عبيدة مسلم بن أبي كريمة تلميذ جابر وردت عنه مواقف متشددة من الرأي عموما، ومن القياس على وجه التحديد، واعتبره قولًا بخلاف الكتاب والسُّنَّة والآثار وأيده في هذا الاتجاه تلميذه محبوب بن الرحيل.

وكان أبو عبيدة يعتبر القياس جدالًا بخلاف الكتاب والسنة، وإن كل قوم

أعطوا الجدل منعوا العمل، ومن اتبع القياس كان إمامه وقائده.

كما شايع أبا عبيدة في موقفه أيضًا تلميذه الربيع بن حبيب وجماعة ممن عرفوا بالتزامهم الشديد بالأثر، وكان لهم موقف مخالف ومتحفظ من زملائهم

القائلين بالقياس.