الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٩لقد اخترت المذهب الإباضي عن عمد وسبق إصرار لأنه ـ لأسباب
تاريخية وثقافية - لم يحظ بدراسات عميقة تستوعب أعلامه، وتنظر في أصوله وفروعه، وتقترب من تراثه الفقهي الخصيب، ونحن اليوم أحوج ما نكون لهذه القراءة المنصفة نستعيد بها عافيتنا الثقافية، ونعتمد فيها على تراثنا المذخور، لا أقصد بالضرورة جزئيات أحكامه وتفاصيل قضاياه، وإنما أعني بالدرجة الأولى مناهجه في التفكير وأساليبه في البحث والحوار والمتابعة، وطرائقه في التنزيل والتمكين، لأن العلم طريقة قبل أن يكون حقيقة.
في مدينة البصرة عاش الإمام جابر بن زيد التابعي» الجليل ومؤسس المذهب الإباضي، وقد أشار إليه ابن حزم باعتباره ممن ثبتت عدالته من العلماء، وكان ثقة في الفتيا رغم الخلاف مع مذهبه «لأنه من أهل العلم والفضل والاجتهاد».
وبحكم الجغرافيا والتكوين انتمى «جابر بن زيد» إلى مدرسة الرأي؛ فهو عراقي النشأة والدراسة رغم رحلاته الكثيرة إلى مكة والمدينة، وكان شديد الإعجاب بمنهجية عمر بن الخطاب» في التشريع، والتي حملها «عبد الله بن مسعود إلى أغلب علماء العراق خاصة في الكوفة والبصرة، وهي منهجية تنفتح على النص ولا تقف عند ظاهره بل تبحث عن علله وغاياته ومآلاته، وعن المصالح الكامنة فيه ولكن جابر بن زيد لم يكن عقليا صرفًا كبعض فقهاء المعتزلة، ولا نقليًّا صرفًا مثل بعض الحنابلة، ولكنه جمع بين العقل والنقل في توازن يعطي لكل مصدر ميدانه، ومجالاته، وهو في ذلك أشبه بأستاذه «عبد الله بن عباس في موقفه من النقل وموقفه من العقل على حد سواء، يقول «مهنى التواجيني» في مؤلفه «أشعة من الفقه الإسلامي» ج 3: «إن البحث في شخصية الإمام «جابر بن زيد يكشف أن استخدام العقل هو أحد