مائة كتاب إباضي محمد كمال إمام [دارس عن الإباضية]

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٣٧٣

الصحيفة القحطانية

373

مأرب مدينة عظيمة عليها سور من الصخر لا ينقل الصخرة إلا خمسون رجلاً، وكان السور مسيرة عشرة أيام من قصر مشيد إلى ظل ممدود إلى سور متصل، وكان الأقدمون من أجدادهم قد بنوا سدا يحبسون به الأمطار إذا جاءتهم، فكانت الأمطار لا تأتيهم، إنما يأتيهم سيل لا يدرون من أين هو يغشى أرضهم فيحييها، وقد ذكرها الله تعالى في كتابه (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَمُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ} [السجدة: 27].

وكانت جناتهم من وراء السور، وقصورهم داخل الجنتين، وفي الجنتين كل شجرة تؤتي أكلها كل حين بأمر ربها، وكان أحدهم إذا أراد الماء رفع من تلك الأبواب التي تلي جنته بابًا، فخرج الماء إلى جداول تخترق في قصورهم وجناتهم وحدائقهم، وإذا استغنى أرسل الباب وكانوا قد غرسوا بذلك الماء الجنتين اللتين ذكرهما الله تعالى في كتابه عن يمين وعن شمال، وظللوهما حتى كان لا تدخلها شمس ولا ريح. وكان من أمرهم كما ذكر الله تعالى. وكانت أزكى أرض الله يومئذ وأهلها أخصب أهل اليمن، وكان شربهم من أعلى الوادي من عين تخرج من ذلك الجبل، فإن شاءوا سدوا ذلك الثقب فأمسكوا الماء، وإن شاءوا فجروه. وكانت الكهنة تخبرهم أن هلاك واديهم من قبل سيل يجيئهم من عين، شربهم، فبنوا على تلك العين بنيانا بالحجارة والرصاص، لا يخرج إليهم من الماء إلا بقدر ما خرقوا من السيل.

فكانت الجنتان عن يمين الوادي وشماله وكان الوادي ملتفًا بالشجر، وكانت المرأة تخرج من مأرب إلى بلد الشام تريد بيت المقدس ومغزلها في يدها ومكتلتها على رأسها بلا زاد، فإذا أرادت الأكل أصابت مكتلتها مملوءة في كل ثمرة مما ألقته الريح من غير أن تجنيه فتأكل، ولم يكن في بلدهم سبع ولا حيّة ولا شيء من الهوام يُخاف منه، قال الله تعالى: {وَجَعَلْنَا وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَرَكْنَا فِيهَا قُرَى ظَهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ

بينهم