الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٩٢92
مائة كتاب إباضي
ويرجح بعض الباحثين أن أبا غانم كان قد وضع لكل باب كراسًا مستقلًا، ثم جمعت تلك الكراريس بعد ذلك من قبل تلامذته، أو يكون أبو غانم قد قام بضم بعضها إلى بعض بنفسه.
ويفتقر هذا الرأي إلى دليل مقنع، فإن نسخ المدونة التي بين أيدينا تكشف عن تداخل الأبواب وتناثر المسائل، فرغم وجود تصنيف عام للأبواب بأسمائها المعروفة في كتب الفقه إلا أن توزيع المسائل عليها كان مشوئًا إلى حد كبير، إذ قد نجد مسألة في الصلاة في باب المعاملات، ومسألة في النكاح في باب الجنايات، وظل الكتاب بحاجة إلى استدراك لضم المتناسب وتفريق المتباين أما عن الجانب الفقهي والأصولي في المدونة فإن الكتاب بما احتواه من مسائل وآراء في غاية الأهمية، فهما لنصوص الشارع، واستدلالًا للآراء، واعتمادًا على الحوار العلمي القائم على الحق والبرهان، قاعدته الذهبية: «إن كنت ناقلًا فالصحة وإن كنت مدعيًا فالدليل».
وقد عرضت المدونة بوضوح آراء الإباضية وآراء غيرهم أيضًا حول قضايا الساعة التي عرفها المجتمع المسلم آنذاك، وأوردت وجهات نظر هؤلاء العلماء، واختلافهم، والحجج التي ساقها كل فريق لتأييد رأيه. كما تضمنت المدونة بواكير القواعد الأصولية، وأصول الاستنباط عند الإباضية.
ففي
أحضان المدونة نجد المصطلحات الأصولية، ومفاهيمها لدى أئمة الإباضية الأوائل، وتحديدهم لمصطلح السُّنَّة وحجيتها، وكيفية الترتيب بين الأدلة، وطريقة إزالة التعارض بينها إذا وقع فضلا عن القياس والرأي وإجماع الصحابة والاختلاف، وغيرها مما يعد بدايات التدوين في موضوعات علم الأصول، ثم تواصل مساره، واكتمل بناؤه على أيدي اللاحقين من العلماء.
فقد تمازج الفقه وأصوله في ثنايا المدونة، بما عرضت من مسائل واجتهادات، كشفت عن عناية بالتأصيل واعتماد الدليل، إذ نجد في المدونة