الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٩٣المدونة الكبرى
93
توظيفا لقواعد الاجتهاد، وضبطًا لأسسه، وترتيب أدلته عند التعارض، فضلًا عن العناية بمقاصد الشريعة واعتبار مآلات الأفعال عند تنزيل الاجتهاد على أرض الواقع، وهذا ما تفيده حوارات تلاميذ أبي عبيدة حول عديد من القضايا. وتسعفنا المدونة بصورة جلية لهذا التفاعل الحي بين العقل والوحي،
والمراوحة بين النص والواقع في رحاب الفقه الإسلامي الأصيل.
وكشفت المدونة عن أصالة الفكر الاجتهادي لدى المدرسة الإباضية، ورسوخ النظرة النقدية الفاحصة لدى فقهائها، إذا لم يأسروا أنفسهم في حدود اجتهاد رجل بعينه مهما علا قدره ورسخ قدمه؛ لأن معتمدهم الدليل لا أقوال الرجال، ومرجعهم الكتاب والسنة.
وأبو غانم في مدونته لم يكن حبيس آراء الإباضية لا يعدوها، بل تضمنت المدونة آراء فقهاء المسلمين؛ كإبراهيم النخعي، والحسن البصري، وغيرهما. ومن الإنصاف القول: إن مدونات الفقه الإباضية كانت أنموذجا للفقه المقارن منذ الصدر الأول فيها تأصل منهجه وطبقت قواعده، ونما غرسه عبر القرون، فرأينا موسوعات فقهية متقدمة.
ومما ميز اجتهاد هؤلاء العلماء النظرة الواقعية وربط الاجتهاد بمشاكل الناس اليومية وقضاياهم المُلحة، وتلك سمة غلبت على الفقه في عصوره الأولى، فكان فقها واقعيًّا لا افتراضيا، وكان الفقهاء مشغولين بتلبية حاجة الناس لمعرفة أحكام الدين ولم يكن لهم متسع لافتراض مسائل نادرة لم تقع، وإعنات العقل بالبحث في حلول لنوادر المسائل.
والطريف أن نجد في المدونة معالجة لقضايا نحسبها من إفرازات عصرنا، فإذا بها نتاج تلك الفترة، فقد عرفها الناس من قديم، وذلك مثل قضية زواج المسيار، الذي تتنازل فيه الزوجة عن حقوقها في النفقة والسكني، نظرًا لضغوط