مائة كتاب إباضي محمد كمال إمام [دارس عن الإباضية]

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٤٥٤

454

مائة كتاب إباضي

وكان أربعون رجلاً من خيار أهل الباطنة من أهل البطحاء ذكروا (الشراء) فرغبوا فيه، وتعاقدوا عليه، فقام عليهم أقاربهم ليمنعوهم منه لظنهم أنهم لا يقوون عليه، فأبوا إلا الشراء وتعاقدوا عليه، وأخذوا لأنفسهم أكفانًا، وخرجوا ليأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، وقصدوا إلى إخوانهم من أهل (القرط). فحين اجتمعوا على ذلك وأخذوا في الخروج إذ هم بطير أبيض يسير أعلى من رؤوسهم يتبعهم حيث ساروا، فعلم بهم صاحب (السويق)، فخرج إليهم بعسكره ليقطع بينهم وبين إخوانهم فلما رآهم على تلك الهيئة هابهم هو ومن معه وكان بطلاً شجاعًا، حتى نزلوا عند إخوانهم بالقرط فأقاموا هنالك يأمرون وينهون. ولم يخبرنا الثقة أنهم عقدوا الإمامة على أحد منهم، وإنما أمرهم شورى بينهم، وهو اجتماع محمود.

وكان لجماعة المسلمين جميع ما للإمام من إنفاذ الأحكام وإقامة الحدود.

وقيل: لهم جميع ذلك إلا الحدود، فلا يقيمها إلا الإمام.

وكان السلطان سعيد بن سلطان بـ (مسكد)، فبلغته أخبارهم، وخاف أن يعظم أمرهم، فأرسل لهم الهدايا، وكان ذلك من مكائد الملوك، فلما وصلتهم الهدايا قال بعضهم: لا نقبلها وخافوا الفتنة وعرفوا المكيدة، وقال آخرون بل نأخذها لنتقوى بها على أمورنا، ثم اتفقوا على الأخذ، فلما أخذوا الهدايا فارقهم الطير الأبيض، ووقع فيهم الفشل، واختلفت حكمتهم، وتفرق جمعهم، ورجع كل إلى منزله من غير أن يقتلوا أو يُقْتَلوا.

وكان للسلطان سعيد عامل من آل بوسعيد يقال له: سيف بن محمد البوسعيدي، وكان عنده بمنزلة جليلة قاد له الجيوش، وتولى له الأعمال، ثم رزقه الله تعالى حسن التوفيق فأناب إلى الله وتاب توبة نصوحًا وباع أمواله، وتخلص مما جناه تخلصًا تاما، وانقطع إلى الله وزيارة العلماء والأفاضل، واشتهر باسم الزاهد، فظهرت له الكرامات وانفتحت له أبواب الخيرات،