دلالة الألفاظ على المعاني لعبد الله الرويشدي
الجزء ١ · صفحة ١٨وقد اعتبر الغزالي في كتابه " المستصفى" لفظ الحقيقة مشتركاً بين ذات الشئ وحدّه وبين حقيقة الكلام،4 وذهب العلوي في " طراز " إلى أن لفظ الحقيقة نفسه مجاز، لأنها مقولة في الأصل على الشئ الثابت غير المنفي المعدوم، ثم إنها نقلت إلى استعمال اللفظ في موضوعه الأصلي، فقد أفادت غير ما وضعت له في الأصل.5
: - تعريف الحقيقة اصصلاحاً :
عرفها أبو الحسين البصري المعتزلي بقوله: " ما أفاد معنى مصطلحاً عليه في الوضع الذي وقع فيه التخاطب".6
فقوله: " ما أفاد معنى" عام في المعاني العقلية والوضعية، وقوله "ومصطلحا عليه" يخرج عنه المعاني العقلية كالدلالة على كون المتكلم بالحقيقة قادرا وعالما إلى غيرها من المعاني العقلية، وقوله:"في الوضع الذي وقع فيه التخاطب" يدخل فيه جميع الحقائق كلها من اللغوية والعرفية والشرعية والاصطلاحية7.
وقد ارتضى هذا التعريف العلوي في "الطراز" وصدر به كلامه في تعريف الحقيقة، وناقش تعريفات كل من أبي عبدالله البصري، والشيخ عبد القاهر الجرجاني، والشيخ أبي الفتح بن جني، وتعريف ذكره ابن الأثير في كتابه "المثل السائر"8.
وتعريف أبي الحسن أولى من قولنا في حد الحقيقة بأنها اللفظ المستعمل فيما وضع له، وما أشبه هذا من التعريفات الأخرى التي يتصور السامع عند سماعها بأن هناك وضعا قد تم في زمن معين، وفي عصر خاص من عصور التاريخ، واصطلح الناس على جعل عدة من الألفاظ موضوعة لحقائق معروفة حتى إذا ما استعملت في غير ما وضعت له عد ذلك مجازا.
إن إرجاع أمر معرفة كون هذا اللفظ حقيقة إلى مثل هذا الوضع الذي أشرنا إليه أمر متعذر إذا ما نظرنا إلى تطور الألفاظ على مدى الأزمان، ويتعذر بقاء اللغة الأولى والمصطلحات المتقدمة على ما هي عليه دون أن يطرأ عليها نسيان الوضع الأول واشتهار الاستعمال الأخير بحيث يصبح الاستعمال الأخير للفظ هو الحقيقة، ولا يدرك معنى الأول بسبب عدم استعماله.