دلالة الألفاظ على المعاني عبد الله بن علي بن سالم الرويشدي

دلالة الألفاظ على المعاني لعبد الله الرويشدي

الجزء ١ · صفحة ٢٥

وقد حاول ابن تيمية في كتابه "الإيمان" الرد على من أثبت الحقيقة العرفية، ونقض ما بنوا على أساسها، وهدم ما تبنوا من وجودها ووقوعها، وقد مشى مع الذين أثبتوا الحقيقة اللغوية وكأنه يريد أن يرجع الحقيقتين العرفية والشرعية إلى حقيقة واحدة هي اللغوية إذ شابه عنده نقلها المجاز، ولبعضه الشديد للمجاز حاول نفي كل ما شابهه ولو من جهة واحدة، فقد قال بعد أن سرد الحقيقتين اللغوية والعرفية ومثل لكل منهما:((.... والمقصود أن هذه الحقيقة العرفية لم تصر حقيقة لجماعة تواطئوا على نقلها، ولكن تكلم بها بعض الناس وأراد منها ذلك المعنى العرفي ثم شاع الاستعمال فصارت حقيقة عرفية بهذا الاستعمال، ولهذا زاد من زاد منهم في حد الحقيقة: (في اللغة التي بها التخاطب)، ثم هم يعملون ويقولون إنه قد يغلب الاستعمال على بعض الألفاظ فيصير المعنى العرفي أشهر فيه، ولا يدل عند الإطلاق إلا عليه، فتصير الحقيقة العرفية ناسخة للحقيقة اللغوية، واللفظ مستعمل في هذا الاستعمال الحادث العرفي وهو حقيقة من غير أن يكون لما استعمل فيه ذلك تقدم وضع، فعلم أن تفسير الحقيقة بهذا لا يصح)) أ.هـ18.

وكلامه هذا لا يدل على ما أراده، ولا يتم به ما ابتغى من إبطال حد الحقيقة، فحدها المذكور صادق على أنواعها الثلاثة جميعها، ولم تخرج الحقيقة العرفية من هذا التعريف، فالألفاظ التي دلت على معنى عرفي يعتبر وضعها كالوضع الذي تم للحقيقة اللغوية إذا وما استعملها قوم للمعنى الذي يتعارفون بها عليه فيما بينهم، وقد نفى ابن تيمية أن يتقدم وضع أول للحقيقة العرفية وهذا لا يسلم له، كيف وقد أورد هو نفسه حقائق عرفية وضعت لمعنى أولي في اللغة ثم نقلت إلى معناها العرفي كالدابة والمزادة والضعينة والرواية19.

٢٥ / ١١١