دلالة الألفاظ على المعاني لعبد الله الرويشدي
الجزء ١ · صفحة ٢٦والظاهر أن اللفظ في حالة كونه حقيقة لغوية يكون بذلك قد وضع وضعا أوليا فإذا تعورف به على معنى آخر بينه وبين معناه الأول مناسبة وعلاقة كان قد وضع بذلك وضعا ثانيا فإذا كان هذا الوضع الثاني من قبل الله تعالى سمي لأجل شرف الواضع ورفعته شرعيا تمييزا له عن وضع العباد الذي يطلق عليه حقيقة عرفية، ولا يخرج اللفظ عن وصف الحقيقة سواء في الوضع الأول أو الثاني ولا يسمى استعماله في غير ما وضع له حقيقة بل ذلك هو عين المجاز، والفرق بينهما أن اللفظ وهو حقيقة دائم الرسوخ في معناه الحقيقي لا ينفك عنه غالبا دال عليه بداهة فإذا استعمل في غير معناه الحقيقي كان كأنما خرج عن إطار وضعه لحاجة طارئة، ومناسبة لازمة، وقرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي ثم لا ينفك أن يعود بعدها إلى أصل وضعه الطبيعي ولهذا موضع بسط ليس هذا محله.
جـ الحقيقة الشرعية
وهي اللفظة التي يستفاد من جهة الشرع وضعها لمعنى غير ما كانت تدل عليه في أصل وضعها اللغوي، وقد وضعت بوضع الشارع لا بوضع أهل الشرع.
– وذلك كلفظة "الصلاة" فإنها في اللغة بمعنى الدعاء، قال الأعشى:
تقول بنتي وقد قربت مرتحلا=يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا
واستشفعت من سراة الحي ذا شرف=فقد عصاها أبوها والذي شفعا
مهلا بني فإن المرء يبعثه=هم إذا خالط الحيزوم والضلعا
عليك مثل الذي صليت فاغتمضى=نوما فإن لجنب المرء مضطجعا20
وقال أيضا:
وصهباء طاف يهوديُّها=وأبرزها وعليها ختم
وقابلها الريح في دنها=وصلى على دنها وارتسم21
وقال أيضا:
لها حارس لا يبرح الدهر بيتها = وإن ذبحت صلى عليها وزمزما22
– وكذلك لفظة "الصوم" الذي هو بمعنى الصيام المخصوص المعروف في الشرع أصله في اللغة بمعنى الإمساك، قال النابغة الذبياني:
خيل صيام وخيل غير صائمة = تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما23
وقال جرير:
ظللنا بمستن الحرور كأننا = لدى فرس مستقبل الريح صائم24