دلالة الألفاظ على المعاني لعبد الله الرويشدي
الجزء ١ · صفحة ٦٧المجاز فن في القول له عذوبة وسلاسة وجمال، لا تدانيه الحقيقة لطفاً وخفة "بل هو أكثر منها بلاغة في الوصف"، وأوجز لفظا في العبارة، فإن قولك: رأيت أسدًا يرمي، أبلغ وصفا من قولك: رأيت رجلا يرمي، وأوجز لفظا من قولك: رأيت رجلا بالغا في الشجاعة مبلغ الأسد، وكذلك فالمجاز يتوصل إلى المحسنات البديعية من نحو السجع والمطابقة والمجانسة، أما السجع فنحو أن تقول: لقيت أسدًا شاكي السلاح فتعاطينا الرماح، وأما المطابقة وهي الجمع بين شيئين متضادين نحو (فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا) 29، وأما المجانسة وهي تشابه الكلمتين لفظا واختلافهما معنى فكقول الشاعر:
إلى حتفي سعى قدمي = أرى قدمي أراق دمي
وأيضا بالمجاز يحصل التلطف في الكلام بخلاف الحقيقة وذلك نجو: استعارة بحر من المسك موجه الذهب لفحم فيه جمر موقد، فيفيد لذة تخيلية وزيادة شوق إلى إدراك معناه، فيوجب سرعة التفهم بخلاف قولك: فحم عليه جمر، ومثل ذلك إطلاق الجزء مع إرادة الكل في المجاز المرسل إذا ما قلت: " فلان فم" تريد أنه شره يلتقم كل شئ، وبالمجاز أيضا يتيسر إختراع المعاني اللطيفة من تعظيم وتحقير وترغيب وتنفير، فالتعظيم كاستعارة (أبي سعيد) لرجل عالم فإنه يدل على كثرة علمه فيحصل تعظيمه بذلك، والتحقير كاستعارة (الهمج) وهو صغار الذباب للجهال من الناس، والترغيب كاستعارة (ماء الحياة) لشئ من المشروبات، والتنفير كاستعارة (السمّ) لشئ من المطعومات، وقد يكون لفظ الحقيقة وحشيًا تمجه الاسماع كالخنفقيق فيعدل عنه إلى المجاز لعذوبته فيعبر عنه بلفظ الداهية، وقد يكون التلفظ بالحقيقة مستسمجًا يكرهه السامع فيعدل عنها إلى المجاز لنزاهته وذلك نحو قوله تعالى:) لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن( 30 فإن في قوله:) ما لم تمسوهن( نزاهة لم تكن في قول القائل: ما لم تولجوا الذكر في الفرج31.
تنبيهات هامة: