الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٠٣مي
بدعة التأويل: ان البدعة التي نشأت عنها جميع البدع وتشققت عنها كل الفرق انما التأويل، ونحن نزعم ان الخوارج هم أول من فتح باب التأويل في تاريخ الفرق الاسلامية، وفي تاريخ هذه الملة، وكان لتأويلاتهم نتائج عملية خطيرة اعقبتها بدورها آراء نظرية، على عكس ما يذهب اليه بعض الباحثين من ان الخوارج اهل
نص وحرفية، واصحاب كلمة ظاهرة.
لقد
لنا ابن رشد (+1198/ 595) تصويراً معبراً، عما صور
سببه
التأويل
6
6
من الفرقة والبعد عن الشرع، فالشرع في الصورة التي امدنا بها بمثابة دواء ناجع وصفه طبيب ماهر لحفظ صحة الناس، فصادف ان استعمله رجل فاسد المزاج. رديء الطبع، فلم يلائمه، فأول تركيب ذلك الدواء، بأن في اسمه استعارة ومجازاً، وانه انما اريد به ترکيب آخر، وبذلك ادخل عنصراً جديداً في ذلك التركيب على انه مقصود من قبل الطبيب، فاستعمله اناس فاذا به كان سبباً في افساد امزجتهم، ثم أتى اناس آخرون فزعموا ان هذا الدواء يشمل عناصر اخرى، قصدها الطبيب الا ان المركب للدواء لم يدخلها في حسابه، فعمدوا إلى تغيير
6
تركيبه عن طريق تأويل ثان، وهكذا كلما زاد افساد ذلك الدواء لأمزجة الناس جاء متأول ثالث ورابع فأول وكل تأويل من تأويلاتهم، يلحق بالناس مرضاً آخر جديداً إلى ان فسد ذلك الدواء تماماً، وخرج عن غايته وغرضه الذي وضع من اجله، وهذه الصورة يشبهها ما آل اليه المسلمون من الفرقة الواقعة في شريعتهم، اذ كل فرقة تأولت بتأويل لم تأول به الأخرى، وبذلك مزقوا الشرع كل ممزق وبعدوا به عن غرضه ولقد تفطن ابن رشد بما له من بصارة نافذة في الشريعة،
1
التصوف الإسلامي ونقدها وبين المنهج الذي يراه علمياً). وقد طبق المنهج التاريخي الموضوعي النقدي في كتابه البديع مناهج البحث عند مفكري الإسلام. الدكتور محمود قاسم، في مقدمة كتابه دراسات في الفلسفة الإسلامية). (1) ابن رشد، الأدلة، مناهج في عقائد الملة مقدمة نقدية لمدارس علم الكلام وتحقيق للنص قام بهما محمود قاسم ط 2 مكتبة الأنجلو المصرية 1964
ص
182 - 180
103
103