آراء الخوارج الكلامية: الموجز لأبي عمار عبد الكافي الإباضي عبد الكافي بن يوسف بن إسماعيل التناوتي الوارجلاني أبو عمار

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٥٧

فلسفة في القيم الأخلاقية قائمة على أن حسن الأفعال أو قبحها، نفعها أو ضررها، صفة ذاتية منطوية في مقومات الفعل نفسه، وداخلة في تكوينه، وليست راجعة إلى خبر مخبر أو تبليغ مبلغ من الرسل كما أن تلك الصفة غير راجعة إلى أنها معنى ذهني أو صورة عقلية يضفيها العقل من طبيعته الذاتية على الأفعال وإنما هي موضوع خارجي وما على العقل إلا أن يتوجه إليه ليدركه، فالحسن أو القبح بهذا الاعتبار، أمر موضوعي وليس أمراً ذاتياً محضاً. ويكون الشرع أو السمع مخبراً فقط، دون أن يكون مثبتاً أو منشئاً وإدراك الحسن أو القبح اما أن يكون إدراكاً ضرورياً كإدراك حسن الصدق وقبح الكذب، واما أن يكون إدراكاً نظرياً عن طريق الاستدلال والقياس، وعلى أساس هذا الإدراك العقلي فيما يقول الشهرستاني - بني الخوارج إيجاب انفاذ الثواب والعقاب، أو الوعد والوعيد، لأنه يجب على الله في نظرهم أن يثيب أو أن يثني على الفعل الحسن، كما يجب عليه أن يعاقب أو يذم على الفعل القبيح. وهذه المسألة تشبه إلى حد ما فلسفة المحدثين والمعاصرين في مجال القيم.

،

فهذا نموذج من نماذج تطبيق النظر العقلي عند الخوارج ولا خلاف في ذلك بينهم وبين المعتزلة، أما الأشاعرة فقد فرقوا بين المعرفة أو الإدراك وبين الوجوب فلا ريب عندهم في أن المعارف تحصل بالعقل، وتدرك به وفي أن

الإنسان يدرك حسن بعض الأشياء وقبحها " ولكن هذه المعارف لا تجب بالعقل

،

أن

وإنما تجب بالشرع، وبهذا يندفع ويدحض، ما يزعمه بعض الزاعمين من الأشاعرة يسلبون عن العقل معرفة حسن الأشياء وقبحها، ويعطلونه عن الإدراك، والواقع أنهم قصدوا بذلك أن العقل لا يوجب الثواب ولا العقاب على شيء من الأفعال بمجرده، وإنما الذي يفرض ويوجب التكليف بالأفعال والجزاء عليها بالثواب أو العقاب هو الشرع عن طريق الأمر والنهي، ومن هنا فان الأشاعرة لم يبطلوا المعاني العقلية وإنما أبطلوا ما يزعمه خصومهم من الضرورة الكامنة في

(1) ن. م. ص

371

(2) الصابوني، كتاب البداية، ص 149.

157