الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٧٥10 - الزهد والخوارج:
يمكن القول بأن أوائل الزهاد والعباد كانوا من الخوارج إذ ان الزهد يتمثل فيهم كأقوى ما يكون، خصوصاً إذا علمنا ان التقوى والوجل أو الفزع مما صار اليه أمر المسلمين كان من أقوى الأسباب التي دعت إلى الخروج، وكان أغلب أوائل الخوارج زهاداً أو عباداً، إذ أنهم انبثقوا من صفوف القراء والمخبتين، وتستند عبادة الخوارج وزهدهم إلى عنصر الخوف، فالخوف من الله هو المسيطر على حياتهم الروحية، ولم يشب زهدهم عنصر من تلك العناصر التي نجدها لدى المتصوفة كالوجد والحب وما اليهما من الأحوال والمقامات، وقد بين لنا ابن تيمية بياناً دقيقاً الفرق بين عبادة الخوارج والمرجئة والزنادقة وعبادة المؤمنين فقال: (من عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجى، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالحب فهو زنديق، ومن عبده بالخوف والرجاء والحب فهو مؤمن) ويذكر المؤرخون ان عبد الله بن وهب كان يسمى بذي الثفنات لشدة عبادته، ويذكرون لنا أيضاً ان مرداساً الخارجي مر باعرابي يعالج بعيراً له بالقطران، فهرج البعير من أثر ذلك، فسقط مرداس مغشياً عليه، فاعتقد الاعرابي أنه صرع فجعل يقرأ في اذنه، فلما أفاق قال له: رأيت بعيرك هرج من القطران، فذكرت به قطران جهنم فأصابني ما رأيت " ويقص خادمه عنه، أنه ما أتاه بطعام بنهار ولا فرش له فراشاً بليل "، وسمى الصفرية صفرية فيما يرويه المبرد لاصفرار وجهوهم من أثر التعبد، وقال ان اكثر أهل الكلام على هذا الرأي في تسميتهم، وقيل في وصف أصحاب مصعب بن محمد (723/ 105) الخارجي:
،
(1) ابن تيمية، جامع الرسائل، تحقيق الدكتور محمد رشاد السالم، القاهرة 1389 هـ /
1969 م ص 112
(2) المبرد، الكامل، ج 2 ص 155
(3) ن. م. ج 2 ص 116.
(4) ن. م. ج 2 ص 170.
175
25
175