الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٧٨خوفاً من النار وإذا مروا بآية شوق، شهقوا شوقاً إلى الجنة فكم عين في منقار طائر طالما فاضت في جوف الليل من خوف الله عز وجل، وكم من يد زالت عن مفصلها طالما اعتمد بها صاحبها في سجوده الله (" ومن هنا فاننا نرى الدليل الواضح على صحة ما ذهب اليه ابن تيمية من ان زهد الخوارج أو عبادتهم تعتمد على الخوف، ولكن ليس معنى هذا أنه قد انعدم لديهم عنصر الرجاء، بدليل ما تنطوي عليه خطبة حمزة الخارجي من أن أصحابه إذا مروا بآية ما في وصف الجنة شهقوا شوقاً اليها، والواقع أن الخوف مبني على الرجاء فهم يخافون من أن لا يدركوا ما يرجون من الخلود في النعيم ولذلك يجتهدون ويخافون، فالخوف من النار والرجاء أو الشوق إلى الجنة يكادان يتلازمان ولذلك نرى أحد الأباضية المتأخرين أبا زكريا يحيي بن أبي الخير الجناوني (من أهل النصف الأول من القرن الخامس) يقول بوجوب الخوف والرجاء على الانسان بمجرد بلوغه الرشد، باعتبارهما من أفعال القلوب، كما أنه يجب عليه أن يساوي بينهما، لأنه إذا مال إلى الخوف خيف عليه اليأس، وإذا مال إلى الرجاء خيف عليه الأمان من عذاب الله) 4، والخوف والرجاء مستمدان من القرآن نفسه وليس فيهما بدعة أجنبية دخيلة، أما الحب الخالص الذي يزعم أصحابه أنه قائم على مجرد الحب دون مراعاة للجنة ولا للنار ولا للثواب ولا للعقاب فهو البدعة التي تعارض القرآن الذي رتب العقاب أو الثواب على الأعمال لا على مجرد الحب الذي دخل إلى المتصوفة بعد القرن الثاني للهجرة، ومن ثم فإن الزهد عند الخوارج زهد قرآني صرف لا أثر فيه للشبهة أو للدخيل، وهو زهد عملي خال من الأنظار الفلسفية الغنوصية وغير الغنوصية،
(1) في البيان والتبيين: (عن معصمها) ج 2 ص 125 تحقيق عبد السلام هارون. (2) في البيان والتبيين: (عليها) ج 2 ص 125. (3) الطبري جـ 7 ص 396 - 397، ابن عبد ربه، العقد الفريد 4 ص 144 الأصبهاني الأغاني ج 20 ص 105، ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة ج 1 ص 459.
،
(4) الجناوني، كتاب الوضع، ط 1 تحقيق أبي اسحاق ابراهيم أطفيش، مطبعة الفجالة الجديدة، القاهرة، (دون تاريخ) ص 34.
178
178