الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٢٧ينطوي على تناقض، لأن قولهم لم تزل، يبطل الحدوث، وقولهم تحدث، يبطل الأزلية، فني هذا المذهب نفي واثبات وهو عين التهافت الذي يبطل فيه آخر الكلام أوله، وأوله آخره ثم بين بطلان الكمون، كمون الحركة أو السكون، إذ كيف يمكن تصور كمون السكون في موضع متحرك، أو كيف يمكن تصور كمون الحركة في موضع ساكن، وكيف يمكن أيضاً أن يكمن الافتراق في جزئين مجتمعين، أو يكمن الاجتماع في جزئين مفترقين؟ واستدل على حدوث العالم أيضاً بتطور الإنسان وتغيره من الطفولة إلى الشيخوخة، وهو نفس الدليل الذي استدل به الأشعري، وبهذا فان منهج المتكلم الأباضي لا يختلف عن منهج المتكلمين المعتزلة والأشاعرة في
تحدث
اثبات حدوث العالم، وفي محاولة دحض ما يذهب اليه أهل الدهر من القدم. ثم بين بعد ذلك أن للمحدثات محدثاً أحدثها، وسلك في بيان ذلك، منهج القسمة المنطقية، الذي اتخذه طريقة له في أغلب المسائل العقلية، التي عالجها في كتابه، فذكر أن المحدثات أو الكائنات، لا تخلو من وجهين: إما أن تكون حدثت بمحدث أحدثها، وإما أن تكون قد حدثت من تلقاء نفسها، وباطل أن من تلقاء نفسها، لأنها لو حدثت من تلقاء نفسها، لحدثت قبل وقت حدوثها أو بعده، ولكان المتقدم منها متأخراً، والمتأخر متقدماً، ولما وجدت على هذه الصفات المعينة، دون غيرها من الصفات، وفي أوقات خاصة دون غيرها، لأن هذا التخصيص يحتاج إلى إرادة مخصص خصصها، ورجح بعض الامكانات المتساوية على بعض، فعلمنا من ذلك بالضرورة وجود محدث ومخصص، وإذا بطل القول بأن الأشياء حدثت من تلقاء نفسها ثبت أنها أحدثها محدث، وأوجدها
موجد
ومن جهة أخرى فانه لا يمكن القول بأنها أحدثت نفسها، وذلك لأنها إما أن تكون موجودة أو معدومة، فان كانت معدومة، فكيف يحدث المعدوم نفسه، وهو غير موجود؟ وإذا كانت موجودة، لم تحتج إلى محدث يحدثها،، لأنها موجودة، وإذا بطل هذا ثبت أن لها محدثاً أحدثها وهو غيرها، وثبت وجوده قبل إيجاده إياها. وأثبت عقب ذلك الوحدانية لهذا المحدث للكائنات فهو إما أن يكون
227
227