الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٢٨واحداً أو أكثر من واحد، وإذا كان أكثر من واحد فلا يخلو الأمر من أن يكون موصوفين بصفة واحدة متفقة، أو أن يكون كل واحد منهما موصوفاً بصفة غير صفة الآخر، فإذا اتفقا في الصفة فذلك معنى الواحد، وإذا كان كل واحد مخالفاً لصاحبه في صفته، فالمخالف منهما لصفة القديم محدث، ولا يقال فيه أنه أحدث الأشياء، لثبوت عجزه عن الإحداث، ولما ثبت أنه غير محدث لها، ثبت أن الموصوف بصفة القدم هو المحدث للأشياء، واستمر في ايراد عدة تدل على وحدانية المحدث، ثم بين ان هذا المحدث لهذه الكائنات غير مشبه لما بوجه ما من الوجوه، إذ لو أشبهها للزمه الحدوث كما لزمها، ولزمه أيضا أن يحتاج إلى محدث، ويتسلسل ذلك إلى غير ما نهاية، واستدل بذلك كله على ان الواحد المحدث للأشياء لا يشبهها بوجه لأن الكائنات بأسرها دالة بجميع
أحدثه
حجج
أصنافها على عجزها، وحدوثها، واحتياجها في كونها وفي بقائها إلى غيرها ثم أن المؤلف سلك مسلكاً آخر في نقض أقوال الدهريين وهو مسلك السؤال والجواب، فأخذ في سؤال الدهرية وقال: (ما الذي دعاكم إلى القول بقدم العالم؟ قالوا لأنا وجدناه من حين ما وجدناه هكذا متصلاً بعضه ببعض، ليس لاتصاله أول، فقضينا بما شاهدنا من ذلك على الغائب وبالبعض على الكل) 1، والزمهم عن هذا الطريق وعن طريق التقسيم الحاصر، أنهم إن قالوا وزعموا، أنهم شاهدوا العالم أو شيئاً منه قديماً، كذبوا، لأنهم لم يكونوا قدماء، حتى يشاهدوا قدم شيء منه، وان قالوا إنهم شاهدوا اتصاله، حكموا من ذلك على أنه لا نهاية له، فانه يرد عليهم بأن اتصاله لا يمنع القول بحدوثه، وليس ما قالوه دليلاً، وإنما هو مجرد زعم ودعوى وتثبت المشاهدة حدوث هذا العالم، فالدهريون منذ أن وجدوا لم يتوقفوا عن مشاهدة ما في مسرح هذا الكون من تغيرات، فهذا جاء وذاك ذاهب، وهذا آت وذاك فان، وليس معنى الحدوث إلا وجود الشيء بعد عدمه، وليس معنى الفناء إلا فساد الشيء بعد كونه، وأخذ في نقض زعمهم ان الشيء لا يوجد من غير شيء، أو من لا شيء، ولم يستحل أن يوجد شيء لم
228
(1) الموجز ص 11.
228