الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٨٣83
ومن جهة أخرى فان رواية أحمد لا تتفق مع الموقف العام للقراء الذين كانوا يقفون حاجزاً بين الفريقين المتحاربين، ويتمسكون بمبدأ منع سفك الدماء بين المسلمين، ويمكن ان يحل هذا التعارض في الروايات بالقول بأن بعض القراء كان إلى يرمي الصلح والتحكيم، وبعضهم ويبدو انه الأقل يرى الاستمرار في القتال لأنه قائم على أساس اسلامي وهو قتال البغاة الخارجين على الامام الشرعي ولذلك فاننا نرى ان رواية نصر بن مزاحم تتفق مع رواية احمد إلا ان السياق يختلف، فسياق نصر بن مزاحم يفيد ان ذلك وقع بعد قبوله التحكيم، فجاءه جماعة من القراء وتكلموا بنفس الكلام الذي أورده أحمد " وفي رواية احمد ايضاً ما يخالف الروايات الاخرى التي تؤكد ان الامام علياً أبى الاستجابة إلى رفع المصاحف، وادرك أنها خدعة، وأن القراء وغيرهم من افراد جيشه هم الذين حملوه على قبول التحكيم، فلما خشي من تفرق كلمة جيشه اضطر لقبوله، ويمكن القول جمعاً بين الروايات، ان علياً ادرك ان رفع المصاحف حيلة دبرها عمرو بن العاص ولكنه استجاب لها نظراً لرغبة القراء من ناحية، ولكي لا يقال عنه انه أبى الاستجابة لكتاب الله، ولأنه ايضاً واثق من ان موقفه على حق وأقوى من موقف خصومه، وان العاقبة تكون
له لا محالة
1
أما رواية الأباضية فقد صرحت بأن علياً لم ينكر التحكيم حتى في اول عرضه من قبل أهل الشام، وتذكر أنه كان يكاتب معاوية سراً في شأنه، حتى أن عمار ابن ياسر نفسه انكر الدعوة للتحكيم وعاتب علياً قائلاً: (أشككنا في ديننا، وارتددنا عن بصائرنا لنحكم عدونا في ديننا ودمائنا، فهل كان ذلك قبل وضع السيف وقتل طلحة والزبير … (2 فهل كان عمار بن ياسر خارجياً قبل انكار الخوارج للتحكيم نفسه؟ وهل الخوارج الذين انكروا التحكيم كانوا مدفوعين إلى شدة من لعلي، واعتقادهم انه الأولى بالخلافة، وانه فرط في حقه وفي حق الواجب الاسلامي وهو حرب البغاة ومن ثم خرجوا عليه؟ اذا ثبت هذا
ذلك
حبهم
(1) نصر بن مزاحم، وقعة صفين ص 569
(2) کشف الغمة ورقة 278
83
88