تطور الفكر التربوي الإباضي في الشمال الإفريقي
الجزء ١ · صفحة ١٠١تلقى دعاة الأمصار العلم وأصول الدعوة على يدي الإمام أبي عبيدة، الذي
أقام مدرسة للدعاة الإباضية في سرداب سرّي لا يعرفه إلا الدعاة، وجعل فيه سلسلة بيد القفاف عند باب السرداب، فإذا مر أحد حرّك الحارس السلسلة الحديدية، فيتوقف أبو عبيدة عن إلقاء دروسه ومحاضراته، ويشتغل وتلاميذه بصنع القفاف التي
حارس يصنع
يضعونها إلى جانبهم، وعندما يطمئن الحارس إلى زوال الخطر يحرك السلسلة فيعود أبو عبيدة إلى إلقاء دروسه وتوجيهاته
من جديد
(1)
وانتشر المذهب الإباضي في ولاية إفريقية والمغرب الأدنى بصفة خاصة،
والمغرب الأوسط بصفة عامة، وأخذ الدعاة على عاتقهم حمل الفكر الإباضي إلى أقاصي البلاد بعيداً عن نفوذ الدولة الأموية ثم الدولة العباسية
وانطلقت الدعوة الإباضية في إعداد دعاتها، الذين امتازوا بالتطبيق
العملي للمذهب واتبعوا " مسلكاً. مسالك الدين عندها، ألا وهو مسلك من الكتمان الذي يقوم على إقامة الحلق العلمية السرية، التي ترمي إلى تكوين الدعاة، الذين سيقيمون أركان الإمامة الإسلامية، إمامة الظهور، وتبليغ مفهوم الإسلام الحق للأمازيغ - البربر - الذين اضطهدهم ولاة بني أمية، ثم ولاة بني
العباس أيما اضطهاد
" (2)
وكان يشدّد في إعداد الدعاة على الأمور التالية:
أ - مراعاة الدور الذي يقوم به الداعية:
يراعي الداعية الإباضي الواقع الذي يعايشه، فهو يعرف أنّ عليه نشر المذهـ وسط بيئة تحاربه، لذلك كان العلماء الإباضية يتابعون دعاة المذهب، حتى لا يدفعهم حماس الدعوة إلى تصرف غير مدروس، ينتج عنه الاضرار بالدعوة ودعاتها. فعندما
(1) ـ أنظر، 1 - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 20.
،
2 - الحارثي: العقود الفضية:
ص
0147
(2) ـ الجعبيري، فرحات: دور المدرسة الإباضية في الفقه والحضارة الإسلامية، ص 496.
83