تطور الفكر التربوي الإباضي في الشمال الإفريقي
الجزء ١ · صفحة ١٢١ب - تطبيق التقية: برع الإباضية في تطبيق التقيّة للحفاظ على أنفسهم، وأشهر رواية يردّدها الإباضية في هذا المجال، ما حدث لأبي نوح كاتب أبي خزر عندما كتب كتابا إلى بني أمية في الأندلس يطلب معونتهم ضدّ الفاطميين، فوقع الكتاب بين يدي أبي تميم الذي جمع أصحابه ووزراءه وكتابه. ويقول أبو نوح عن أبي تميم بأنه " تأمل الكتاب الذي كنت كتبته إلى بني أمية، وأرادوا الوقوف على خطي يعرضونه على خط الكتاب المذكور، حتى يعرفوا هل أنا كتبته أم غيري، وعندهم رجل يهودي، فقال لهم اليهودي أنا أستخرج لكم خطه، فقال أبو نوح بينما أنا في أيديهم إذ أتاني اليهودي ببطاقة ومحبرة، فقال لي أكتب إلى مولانا أن يعفو عنك، واعتذر بما عندك من احتجاج، فإنّ مولانا كثير العفو، ووضع البطاقة والمحبرة وأداتها فخرج عني.
فتناولت لأكتب، فكتبت سطر التسمية لا غير، ثم أيقظني الله ل، وذكرني الكتاب المتقدم في شأن أبي تميم، ولعلّ اليهودي إنما جاء خديعة ومكيدة، لا نصحا، فقصصت السطر المكتوب أولا، ثمّ استأنفت كتابا بخط غير خطي المعهود مني.
فلما كان بعد قليل إذ اليهودي قد دخل وتناول الكتاب جذلان سروراً وحسب أنه نال المقصود، ودفع الكتاب إلى أبي تميم، فاجتمع عليه الوزراء والكتاء وجميع الوراقين، ودفع إليهم الكتاب الأوّل والكتاب الثاني لعرض الخط، ووجدوا الكتابين مختلفي الخط غير متفقي الحروف، فاتفقت كلمتهم على أن كاتب الكتاب الأول غير كاتب الكتاب الثاني إلا رجلاً واحداً أحذقهم، فإنه قال كاتبهما واحد غير أنه بدل خطه فقالوا لو صح ما زعمت لوقع الاختلاف في سطر أو سطرين، أما الكتاب كله
فمحال، هذا ما لا يستطيعه كاتب
ثمّ إنّ أبا تميم وجّه إلى أبي نوح فجاء في قيوده، فلما دخل عليه وجده في قبة حمراء على سرير قوائمه من عاج أحمر، وعليه ثياب حمر، وعلى رأسه قلنسوة حمراء، وحوله رجال بأيديهم الرماح، قال فلما صرت بين يديه سلمت عليه، فأطرق مليا، فلما
رفع رأسه قال لي: يا سعيد، أحقاً أنكم كاتبتم فينا بني أمية؟.
103