تطور الفكر التربوي الإباضي في الشمال الإفريقي
الجزء ١ · صفحة ١٢٢قال أبو نوح: يا سيدي، إن كانت معذرتي تقبل وحجّتي ترفع اعتذرت واحتججت. قال قل ما عندك، فلما وجد إلى الكلام سبيلا، وكان شهم الجنان فصيح
اللسان كثير البيان، قال كيف نكاتب بني أمية، وقد علمت ما بيننا وبينهم يوم الدار ويوم الجمل وأيام صفين، وهم الشجرة الملعونة في القرآن
•
فلما سمع منه ذلك أبو تميم سرّ وتبسم وانبسط بعد الانقباض والعبوس، قال أبو نوح فدفع إلي الكتاب الذي كنت كتبته إلى بني أمية فقال: ألست كتبت هذا الكتاب؟ فقلت بالله الذي لا إله إلا هو إنّ هذا ما كتبته إلى بني أمية. قال فاختلفوا في يميني، فطائفة قالوا إنه لا يحلف لأنه جعل " ما زائدة، وقال بعضهم إنّه من البربر ولا يفطن لهذا
ولا يفهمه
قلت لا شك أن أبا نوح قصد بلفظ يمينه المعاريض التي فيها مندوحة الكذب، وسلك مسلك الملاحن، وعلى هذا تكون " ما " بمعنى الذي، أو تكون نكرة موصوفة فيكون التقدير أنا هذا الذي كتبته، أو أنّ هذا شيء كتبته، وكلاهما حسن فصيح فهذا
" (1)
الذي قصده وأجادوا في استعمال التقية لإظهار الولاء لمخالفيهم حتى يعتقدوا أنهم على مذهبهم ويؤيدونهم، فعندما بايع الإباضية أبا حاتم إماماً للظهور " أظهروا على أنفسهم أنهم يريدون الاجتماع على أمر امرأة مسلمة، وكان زوجها رجل سؤ ساءت سيرته إليها، فأظهروا الاجتماع لشأنها وهم يريدون الخروج على جند طرابلس وعامل أبي جعفر ـ المنصور ـ كما فعل أصحاب أبي الخطاب، أول مرة حين ولوه، فسمع باجتماعهم عامل المدينة، مدينة طرابلس. فأخرج إليهم خمسمائة فارس، وجعل عليها عاملاً. فلما وصلتهم تلك الخيل، قال لهم عاملها: أجيبوا الطاعة لأمير المؤمنين، فقالوا أجبنا الطاعة لأمير المؤمنين، فلم يفقه ذلك منهم، فلما أصبحوا، خرج إليهم عامل الجند بسيفه، وبخيل عظيمة، فلما أتاهم قال لهم: أجيبوا الطاعة لأمير المؤمنين. قالوا:
(1) ـ الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 132 - 133.
1.2