تطور الفكر التربوي الإباضي في الشمال الإفريقي من القرن الأول حتى القرن العاشر الهجري عبد الرحمن عثمان حجازي [دارس عن الإباضية]

تطور الفكر التربوي الإباضي في الشمال الإفريقي

الجزء ١ · صفحة ١٢٥

من

وتخالف التقية في مفهومها الإباضي المفهوم الإسلامي، الذي يتخذ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قاعدة أساسية في دعوته، ويخالف مفهوم التقية أيضاً الأصول العقدية الإباضية التي تلزم أتباعها أن يكونوا واضحين صريحين في فهمهم للإسلام، وهذا ما التزم به عبد الله بن إباض الذي لم يخف وجهة نظر الإباضية، ويبين في رسالته إلى الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان أن ما تعتقده الإباضية هو الحق والصواب (1)

ولا يلتقي مفهوم التقية مع مفهوم الأمر والنهي " فقد اتفق الموحدون على أنّ الله تعالى

فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على عباده في كل حين وأوان على قدر الطاقة (2) ". ومتى سادت التقيّة في المجتمع ساد الانحراف والضلال، وقد وقع الإباضية في ذلك عندما اشتد أمر النكار، فعمد الإباضية إلى التقيّة لعدم قدرتهم على مواجهة هؤلاء في جبل نفوسه " حتى وصل إلى رئيسهم ومقدمهم " زيري بن كملين " فعاتبه أبو صالح وقال له ما هذا الذي بلغنا عنكم يا زيري من مرور النكار عليكم وحلقتهم بين أظهركم وأنت بالحياة؟

فقال له زيري: إن عذرنا يا شيخ بين أما سمعت المثل القائل في كلام البربر؟

وخاطبه ببيت بربري ترجمته: المرأة متى لم يزرها بعلها ابتغت السفاح، وهذا الكلام لـ بالبربرية وزن وطلاوة ومساغ، غير ما يظهر من تركيبه بالعربية (3) ".

ويفهم من كلام الشيخ أنهم يعمدون إلى التقية في عدم معارضة النكار على أمل عودتهم إلى المذهب الإباضي وهكذا نرى أنّ الإباضية - وبلا وعي ـ أخذوا يطبقون التقية

حتى على أنفسهم.

(1) - أنظر، البرادي: الجواهر المنتقاة، ص 166 - 167

(2) ـ الجناوي، أبو زكريا يحيى بن أبي الخير: كتاب الوضع مختصر الأصول في الفقه، ص 23، نشره وعلق عليه أبو إسحاق إبراهيم اطفيش القاهرة، مطبعة الفحالة الجديدة 1962 م.

() - أبو صالح بكر بن قاسم البراسيني، يجعله الدرجيني في الطبقة الثامنة 350 هـ / 400 هـ.

((

- الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 2، ص

357

107