تطور الفكر التربوي الإباضي في الشمال الإفريقي
الجزء ١ · صفحة ٥٤د - كان أبو عبيدة إمام الإباضية في البصرة، يتوخى الحيطة والحذر والسرية في كل تصرفاته، ويفرض هذا النهج على أتباعه حتى لا تعرف تحركاتهم، وبلغت هذه السرية حداً جعلت داعية إباضياً يرد ابن عمه الإباضي، حتى لا يحضر اجتماعاً خاصاً، ويعلم ما يدور فيه من نقاش. يروي ني أنّ " شعيب بن عمر من أفاضل الفتيان يومئذ، وكانت أخته الدرجيني) تحت الحاجب، قال فجاءه تلك الليلة فأخبر به حاجب، فقال رده، قالوا له: يا أبا مودود، سبحان الله جاء من السماح في هذه الساعة وتردّه، فقال ردوه، فردوه. قال وكان بين منزله ومنزل حاجب ثلاثة أميال (1) ".
لم يسمح حاجب الإباضي لابن عمه حضور الاجتماع، فكيف يتوجه داعية إباضي وآخر صفري معاً إلى المغرب، وعلى جمل واحد
للدعوة لإمامتين مختلفتين.
هـ ـ كانت الحركة الإباضية تحرص على التخفي خوفاً من مداهمة وملاحقة ولاة بني أمية، وكانوا " ذات مرة في عهد زياد أو ابنه أتاهم الخبر بأن الخيل تريدهم، قال فخرجوا مسرعين وتركوا نعالهم على باب البيت. الذي كانوا فيه، قال فجاء الشرط فنظروا إلى النعال؟ فقالوا للعجوز صاحبة البيت ما هذه النعال؟ قالت مكاتب لنا يسأل الناس فيعطى النعال وغيرها. قالوا تا الله ما ذلك كما ذكرته وأن بهذا الموضع ربية، قال فقال بعضهم: ويحكمُ قد ذكرت العجوز ما ذكرت فلا تعرضوها للبلاء، فلعلها تكون صادقة .... وبلغني أنهم كانوا يأتون المجالس أيام زياد وابنه في هيئة النساء في النقاب وغير ذلك، يتشبهون بالنساء، قال وإن كان أحدهم ليحمل على ظهره جرة بماء، أو يحمل جملة متاع كأنه يباع، حتى يدخل المجالس لا يدعونها لشيء (2) ".
(1) ـ الدرحيني: طبقات المشائخ، ج 2، ص 249. (2) ـ الدرجيني: المصدر السابق، ص 249.
36