الشفاعة الأخروية
الجزء ١ · صفحة ١١١الشغلعة الأخروية. نفعه ذلك» يعني ذبه ونصره للنبي - -، إلا أنه جوزي على ذلك وعوض عنه بتخفيف العذاب (400).
يقول الإمام القرطبي: «فإن قيل: فقد قال تعالى: {فما تنفعهم شفاعة الشافعين له (40) قيل له: لا تنفعه في الخروج من النار، كما تنفع عصاة الموحدين، الذين يخرجون منها ويدخلون الجنة (402).
فإن قيل: هذا إثبات نفع الكافر في الآخرة بما عمله في الدنيا، وقد نفاه النبي - في حديث ابن جدعان، عن عائشة، قالت: قلت: يا رسول الله ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويُطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟ قال: «لا ينفعه إنه لم يقل يوما:
«
رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين (40)، والجواب على هذا من وجهين هما:
الأول: ما تقدم في بناء العام على الخاص.
الثاني: أن المخفف عنه لما لم يجد أثر لما خفف عنه فكأنه لم ينتفع بذلك، ألا تراه يعتقد أنه ليس في النار اشد عذابا منه؟! مع أن عذابه جمرة من جهنم في أخمصه وسببه، أن القليل من عذاب جهنم لا تطيقه الجبال، وخصوصا عذاب الكافر، وإنما تظهر فائدة التخفيف لغير المعذب، وأما المعذب فمشتغل بما حل به إذ لا يحلى ولا بغيره يتسلى، فيصدق عليه أنه لم ينتفع ولم يحصل له نفع البته
(404)
…
كما أن بعض الكفرة بإضافة بعضهم للكفر كبائر المعاصي وأعمال الشر، وأذى المؤمنين، وقتل الأنبياء والصالحين، يزدادون عذابا. فالكافر يعذب بكفره ثم يزداد إجرامه وإفساده في الأرض وعتوه، وكثير إحداثه في العباد والبلاد، فذاك يعذب أشد العذاب كما قيل في فرعون، ومن لم يكن بهذه السبيل عذب بقدر كفره، فكان أخف عذابا ممن عذب أشد العذاب، فليس عذاب أبي طالب كعذاب أبي جهل وإن اجتمعا في الكفر، ولا عذاب عاقر الناقة من قوم ثمود كعذاب غيره من قومه، ولا عذاب قتلة الأنبياء كغيرهم من
400) عياض بن موسى بن عياض اليحصبي إكمال المعلم بفوائد مسلم، ط 1، ج 1، دار الوفاء للطباعة والنشر، مصر، ص 597،596.
401) سورة المدثر، الآية: 48. 402 القرطبي، التذكرة، ص 287. 403) أخرجه البيهقي في شعب الايمان، باب في حشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم، رقم الحديث (279)،ج 1،ص 259. 404) أحمد بن عمر القرطبي، المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ط 1، ح 1، دار ابن كثير، بيروت، ص 458.