الشفاعة الأخروية: دراسة عقائدية سلطان بن محمد بن زهران الحراصي

الشفاعة الأخروية

الجزء ١ · صفحة ١٤٩

الشفاعة الأخروية

145

وسندا، فلا يمكن الإستدلال إلا بالحديث المتواتر الذي رواه جماعة عن جماعة من أماكن

متباعدة بحيث لا يمكن اجتماعهم على الكذب عادة.

هذا، وأما ما ذكره كثير من العلماء من تواتر أحاديث الشفاعة كالرازي، والقاضي

(573)

عياض، وابن عبد البر، والسبكي وغيرهم، فمما لا يسلم له البتة، اللهم إلا إذا كان مقصودهم من ذلك تواتر أحاديث الشفاعة على إطلاقها، إذ هذا لا خلاف فيه، بل نقل الواحدي فيه الإجماع (574)، ودل عليها القرآن في قوله تعالى عسى أن يبعثك ربك مقاماً محمودا (70) | إذ يقول ابن حجر: (والجمهور على أن المراد به الشفاعة (576) وذلك التواتر إنما هو تواتر معنوي، والتواتر اللفظي يحتاج إلى تحقق أكبر من حيث جمع الطرق، ومعرفة الرواة، وأماكنهم وعدالتهم .. إلى غير ذلك مما هو معلوم لثبوت تواتر الحديث. أما الأحاديث التي تثبت الشفاعة لمرتكبي الكبائر من المجرمين الفاجرين المصرين، فهي إما أن تكون ثابتة سندا أو غير ثابتة.

مع نصوص

فإن كان سندها ثابتا (577)، ينظر إلى متنها فهو إما أن يكون متفقا القرآن الكريم أو مخالفا ومعارضا لها، فإن كان متفقا معها أخذ به، أما إن كان معارضا ولم يمكن الجمع بينه وبين تلك النصوص القرآنية بوجه من وجوه الجمع حكم عليه بالرد

بل بالوضع.

وهكذا العمل بتلك الروايات التي تثبت الشفاعة لأهل الكبائر، فهي- ولاريب- تخالف الآيات القرآنية الناصة على نفي الشفاعة للظالمين والمجرمين، بل ولكثير من أحاديث النبي - - التي تدل على خلود مرتكب الكبيرة وأنه ملعون ومغضوب عليه كما سيأتي بيانه، أما مع ثبوت بعض تلك الروايات فلا بد من تأويلها، وذلك حتى لا تعارض النصوص الأخرى من قرآن وسنة، على أن النبي - - لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فمن المحال قطعا أن يروي الأخبار المتناقضة، وأكثر ما يروى في

573) لمزيد بيان أنظر محمد بن جعفر الكتاني، نظم المتناثر من الحديث المتواتر، ط 2، دار الكتب السلفية للطباعة والنشر، مصر.

ص 235.234.

574) ابن حجر، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ج 11، المكتبة السلفية، ص 426. 575 سورة الاسراء، الآية:79

576) ابن حجر، فتح الباري، ج 11، المكتبة السلفية، ص 426.

577) على أن تلك الأحاديث لم يثبت سندها كما سيأتي.