الشفاعة الأخروية
الجزء ١ · صفحة ١٦٢158
الشفاعة الأخروية
ونزعم أن من أنكره فقد أخطأ الخطأ العظيم، لكنا نقول لأهل الثواب دون أهل العقاب ولأولياء الله دون أعدائه، ويشفع - صلى الله عليه وسلم - في أن يزيدهم تفضيلا عظيما (644).
المطلب الثاني: أدلتهم على ذلك (640)
لقد استدل من نفى الشفاعة عن عصاة الموحدين بأدلة واضحة وكثيرة من
الكتاب والسنة والعقل، وذلك على النحو التالي:
القرآن الكريم:
1 - قوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَومَا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ
وَلَا يَؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ.
(646)
ووجه الدلاله: أن الله تعالى نفى قبول الشفاعة من أحد لأحد، ولو قبلت شفاعة النبي - - أو غيره لذي كبيرة انتقض هذا المدلول المستفاد من هذا النص، ويؤيد ذلك ما تقدمه من نفي جزاء نفس عن نفس شيئا، وما تبعه من قوله ولا هم ينصرون)، إذ لو شفع النبي - صلى الله عليه وسلم - لأحد منهم لكانت نفس جازية عن نفس، وناصرة لها (647).
يقول القاضي عبد الجبار في هذه الآية: «يدل على أن من استحق العذاب لا يشفع النبي - - له ولا ينصره، لأن الآية وردت في صفة اليوم، ولا تخصيص فيها، فلا يمكن صرفها إلى الكفار دون أهل الثواب وهي واردة فيمن يستحق العذاب في ذلك اليوم، لأن هذا الخطاب لا يليق إلا بهم، فليس لأحد أن يطعن على ما قلناه بأنه يمنع الشفاعة للمؤمنين أيضا، ولو كان النبي - - يشفع لهم لكان قد أغنى عنهم وأجزى … ولأن قبول الشفاعة واسقاط العقاب الى المغفرة، أعظم من كل فداء يسقط به ما قد استحقوه من المضرة، ولما صح أن يقول: {وَلا هُمْ يُنْصَرُون له وأعظم النصرة تخليصهم من العذاب الدائم بالشفاعة، فالآية دالة على ما نقوله من جميع هذه الوجوه
(644) عبد الجبار، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، تحقيق فؤاد سيد، ط 1، الدار التونسية للنشر، ص 207
645 أي على نفي الشفاعة عن عصاة الموحدين. 646) سورة البقرة، الآية: 48.
647) الخليلي، جواهر التفسير، ج 3، ص 265.
(TEA)،
648) عبد الجبار بن أحمد الهمداني، متشابه القرآن، تحقيق الدكتور عدنان محمد زرزور، القسم الأول، دار التراث، القاهرة، ص 90