الشفاعة الأخروية: دراسة عقائدية سلطان بن محمد بن زهران الحراصي

الشفاعة الأخروية

الجزء ١ · صفحة ١٧٦

172

الشفاعة الأخروية

ورد: لا دليل على تخصيصها بالمشركين (727)، وعليه تظل دليلا على نفي الشفاعة لمن أصر على معصية الله تعالى.

727) كما أن حصر الظلم في قوله تعالى الذين آمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون في الشرك وحده دون غيره من المعاصي، وتفسير الآية بذلك لهو أخطر على الإسلام من كل خطر، فإنه المعول الهدام لجميع أسسه المجتث لجميع فضائله، الملغي لجميع أدلته، إذ ليس معناه إلا أن من كان محسوبا على أهل الايمان لا يضيره ما صنع ما لم يتلبس بشيء من الشرك ولو أضاع الصلاة والصيام ومنع الزكاة وعطل الحج، وانساق وراء شهواته فلم يدع كبيرة إلا أتاها، ولا رذيلة إلا اعتنقها، ولا فريضة إلا أهملها ولا حرمة إلا انتهكها فما عليه أن لقي الله معطلا لجميع شعائر الإسلام، ومهملا لجميع واجبات الدين، ومرتكبا كل فحشاء من زنا ولواط وقتل النفس المحرمه بغير الحق، وعقوق الوالدين وقطع الأرحام .... إلخ، فإنه ان لم يشب إيمانه بشائبة الإشراك فهو من الذين لهم الأمن وهم مهتدون ..... وهذا الإعتقاد يلغي كل آيات الوعيد القاطعة في كتاب الله التي انصب وعيدها على كبائر الفعل والترك مما هو دون الإشراك. فإن قيل: بأن هذا التفسير إنما أخذ من رواية أخرجها الشيخان من طريق ابن مسعود - رضي الله عنه - مرفوعة إلى النبي هل هو التفسير الأسلم بالإتباع هو ما كان عن رسول الله الله بنفسه لأنه أدرى بما أنزل إليه، فالجواب ليس كل مرفوع إليه حجة ولو أخرجه الشيخان، فإن المعيار لصحة الرواية ولزوم قبولها وضعه النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه عندما قال: «إنكم ستختلفون من بعدي فما جاءكم عني فأعرضوه على كتاب الله فما وافقه فعني وما خالفه فليس عني» (رواه الربيع بإسناده الصحيح إلى ابن عباس)، ولا عبرة بتضعيف من ضعفه من قومنا مع ثبوته عندنا بهذا السند العالي وعمل الصحابة - رضي الله عنهم بلا خلاف بينهم بمقتضاه، فكم كان منهم من رد رواية سمعها بعضهم من بعض يعزوها الى النبي بمجرد تصوره مخالفتها لدلالة القرآن كما فعل ذلك عمر رضي الله عنه - بحديث فاطمة بنت قيس ومثله صنيع عائشة - رضي الله عنها، برواية عمر وابنه في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه، وصنيع ابن عباس - رضي الله عنهما. إذ رد رواية الحكم بن عمرو الغفاري في تحريم الحمر الأهلية، ولئن كان ذلك في تلكم الأجواء الإيمانية، الصافية من شوائب الأهواء والبدع ولوثات الزيغ والإنحراف مع قرب العهد بالمنبع والأساس، فكيف بعدما تقادم الزمن وتعفنت الأجواء بضروب من الضلالات، وصنوف من البدع والزيغ حتى اختلط الحابل بالنابل، والتبس الحق بالباطل، أليس الأولى والأسلم أن يتبع هذا المنهج نفسه، على أننا نجد علماء الحديث أنفسهم لا يختلفون في أن من شرائط صحة الحديث عدم تصادمه مع القرآن، فكيف يضرب بعرض الحائط مئات الآيات ومئات الروايات من أجل هذه الرواية وحدها على أنها لو لم تكن معارضة لشيء فتكفي أحاديتها لعدم الأخذ بها في مجال العقيدة كما هو مقرر عندنا وعند المحققين من غيرنا، على أن من تدبر دلالة الآية نفسها مستبصرا بمنهج اللسان العربي الذي نزل به القرآن ومسترشدا بالقواعد الأصولية المجمع عليها في الاستدلال على معاني النصوص، يجدها بعيدة كل البعد عما تقتضيه تلكم الرواية من حصر الظلم في الشرك، فإن كلمة «ظلم» فيها نكرة في سياق النفي تفيد العموم بلا خلاف، وإلا فماذا عسى أن يقال في قوله تعالى وما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله له أيقال بجواز حمل المنفي في الآية من الولد والإله المنكرين على غير العموم؟ كلا، والله لا يقول هذا من في نفسه ذرة من إيمان ولا بصيص من عقل، فإنه يؤدي إلى نقض التوحيد وجواز أن يكون الله متخذا أولادا لحمل المنفي في الآية من الولد والالهه على بعض الأولاد وبعض الآلهه دون بعض ولو جاز ذلك لما كانت جملة «لا إله إلا الله» توحيدا مع أنها توحيد بالإجماع ..... كما أن الظلم لغة واصطلاحا لا ينحصر في الشرك فهو يصدق على وضع الشيء في غير موضعه، ولذلك اعترف به الأنبياء عليهم السلام. وهم مبرؤون من الشرك فقد قال موسى - عليه السلام ورب إني ظلمت نفسي فاغفر لي، وهو يعني بذلك قتله القبطي، وقال يونس: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، وقال آدم وحواء: وربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، وهما يعنيان بذلك الأكل من الشجرة، وقال تعالى في وصف المتقين والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله .... وقال بعد أن ذكر حد السارق والسارقة فمن تاب بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه، وهو يريد بالظلم هذا السرقة، وقال سبحانه: وإن عدة الشهور عند الله اثنى عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم له وهو يعني به القتال في الأشهر الحرم، وقال بعد ذكر شيء من أحكام المطلقات وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه)، وقال في المطلقات أيضا: ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه، وقال بعد ذكره بعض أحكام الفدية والطلاق وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون. وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أ خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الإسم الفسوق بعد الايمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون، وقد جاء في روايات وأحاديث كثيرة ناصة على دخول المعاصي في الظلم، منها قوله صلى الله عليه وسلم «مطل الغني ظلم» رواه الربيع من طريق ابن عباس،

أن يكن

ورواه الشيخان وأصحاب السنن) (نقل هذا من جواب لسماحة الشيخ الخليلي بمكتب الإفتاء بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية).