الشفاعة الأخروية: دراسة عقائدية سلطان بن محمد بن زهران الحراصي

الشفاعة الأخروية

الجزء ١ · صفحة ١٨١

الشفاعة الأخروية

177

المبحث الرابع: الرَأْيُّ المُخْتَارِ وَأَدلَتهُ

بعد أن نظرنا إلى أدلة الفريقين من القرآن والسنة والعقل، نجد أن الإستدلالات القرآنية تتمثل في الإعتماد الكلي على التأويل عند الطرفين … فقد يستدل الفريق الأول بنفس الآية التي استدل بها الفريق الثاني، وإنما الخلاف في تأويلها وتوجيهها، من ذلك موقف الإمام الرازي في آيات الشفاعة فقد نفى الله تعالى الشفاعة عن الظالمين، وقد خصها الرازي وغيره بالمشركين، في حين اعتبرها منكروا الشفاعة عامة تشمل المشركين والعصاة من أهل التوحيد.

ويظهر لي - والله أعلم - أن هذه القضية متصلة إتصالا كبيرا بقضية الوعد والوعيد، والخلود لمرتكبي الكبائر غير التائبين، كما أن لها صلة كبرى بموضوع الإيمان ومعناه وشموليته للعمل الصالح.

فالإباضية والمعتزلة قالوا بإنفاذ وعد الله ووعيده بخلود مرتكب الكبيرة غير التائب منها، كما أن الإيمان عندهم اسم لأفعال القلوب والجوارح والإقرار باللسان فلا يكفي مجرد الإنتساب إلى الإسلام بل لا بد من تغلغل الإيمان في النفس، وتمكنه من الفكر والعقل وسريانه في الجسد والدم، بحيث يظهر في سلوك الإنسان وتصرفاته وأفعاله وأقواله، إذ لكل قول حقيقة … ولو كان الهدف من كلمة التوحيد هو النطق بها لما حورب الإسلام في كل مكان وزمان، وهذا يظهر جليا في آي القرآن الكريم التي تربط بين الإيمان والعمل الصالح، وفي أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - الدالة بأن الإسلام قول وعمل فهو كل لا يتجزأ … والحقيقة أن آيات النفي في الشفاعة أكثر من آيات الإثبات، فقد ذُكرت الشفاعة ومشتقاتها في القرآن واحد وثلاثون مرة ليس منها للرسول - صلى الله عليه وسلم - استعمال واحد بلفظ صريح، وهي وإن ذكرت فعلا خمس مرات إلا أنها لا تكون إلا للمتقين الأبرار الصادقين الأخيار، المجاهدين والمضحين في سبيل لله لرفع درجاتهم وتعجيل دخولهم الجنة ومسامحة ما صدر من هفواتهم، إذ الكمال لله والعصمة لرسول لله - صلى الله عليه وسلم - وهذا ما دلت عليه نصوص القرآن والسنة، ودل عليه العقل وناسب روح الشريعة الإسلامية التي تدعو دائما – إلى أخذ الحيطة والحذر لا سيما وأننا اليوم في زمن كثرت فيه النظريات