الشفاعة الأخروية: دراسة عقائدية سلطان بن محمد بن زهران الحراصي

الشفاعة الأخروية

الجزء ١ · صفحة ٢٢

18

الشفاعة الأخروية

بهذا المعنى أن الله سبحانه يرجع عن إرادة كان أرادها لأجل الشافع، وإنما هي إظهار كرامة للشافع بتنفيذ الإرادة الأزلية عقيب دعائه، وليس فيها أيضاً ما يقوي غرور المغرورين الذين يتهاونون بأوامر الدين ونواهيه اعتماداً على شفاعة الشافعين، بل فيه أن الأمر كله لله، وأنه لا ينفع أحداً في الآخرة إلا طاعته ورضاه {فَمَا تَنْفَعُهُم شَفَاعَة

(TA)

الشَّافِعِينِ، فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ} (38) {وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ ارْتَضَى (30 - 40).

وقد سبقه إلى هذا المعنى الإمام الرباني العلامة سعيد بن خلفان الخليلي – رحمه الله - وذلك عندما ذكر النصوص الدالة على دعاء الملائكة والمؤمنين بالصلاة والتسليم على نبينا الكريم ودعاء حملة العرش بالغفران للتائبين، واستغفار النبي - - وغيره من الأنبياء للمؤمنين والمؤمنات، ودعاء أهل الجنة فيها لبعضهم، ودعاء الملائكة هم 0000 حيث قال بعد ذلك: «وما شفاعة الرسول إلا نوع دعاء بخير من جنس هذا الدعاء المنقول، فكيف. يصح العدول بها عن أشباهها عند من له أدنى مسكة من أهل العقول (4).

(EN)

وبهذا يتضح أن العلامة محمد رشيد رضا أقرب إلى القول بعدم جواز الشفاعة لمن أصر على كبائر الذنوب، فيقول: «فالشفاعة المعروفة التي يغتر بها الكافرون والفاسقون ويظنون أن الله تعالى يرجع عن تعذيب من استحق العذاب منهم لأجل أشخاص ينتظرون شفاعتهم هي مما يستحيل على الله تعالى لأنها - وهي من شأن أهل الظلم والبغي- تستلزم الجهل وهو ذو العلم المحيط» (42).

وقد وافقه على هذا المعنى شيخنا العلامة الخليلي - حفظه الله حيث يقول: «ولا إشكال في ثبوت الشفاعة المشار إليها لرسول الله - - فإنها لا تنافي كون الله تعالى لا تبديل لكلماته ولا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، وإنما هي كما قيل دعاء من النبي - - في الموقف العظيم الذي تتقطع فيه الألسن عن ذكر ما يعني الغير، ولا تشتغل فيه القلوب إلا بما يهم أصحابها، وفي استجابة الله تعالى لدعائه - دلالة على مكانته عنده،

(38) سورة المدثر، الآية: 48 (39) سورة الأنبياء، الآية:28.

40) محمد رشيد رضا، تفسير المنار، ج 3، ص 15 - 16

41) سعيد بن خلفان الخليلي تمهيد قواعد الإيمان وتقييد شوارد مسائل الأحكام والأديان وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة

عمان، 1407 هـ - 1986 م، ح 2، ص 144.