الشفاعة الأخروية
الجزء ١ · صفحة ٢٦22
فالشفاعة
الشفاعة الأخروية
مع العلامة الطباطبائي ثابتة.، ومع ثبوتها فإنه يتحفظ إذ يقول: «فقد ثبت بما مر صحة تحقق الشفاعة عنده تعالى في الجملة فيما لا يوجب محذورا لا يليق
(63)
بساحة كبريائه تعالى (()
ويقول كذلك: «ولا معنى للإطلاق في السببية والتأثير فلا السبب يكون سبباً لكل مسبب من غير شرط، ولا مسبب واحد يكون مسبباً لكل سبب على الإطلاق، فإن ذلك يؤدي إلى بطلان السببية وهو باطل بالضرورة (64). وكأنه يشير بهذه العبارات إلى أن السبب قد لا يصلح لكل مسبب والعكس، إذ تختلف قلوب البشر ونفسياتهم، كما تختلف جرائمهم وأفعالهم، ومن هنا شرط الله تعالى لشفاعة الشافعين الإذن والارتضاء، فمن كان مرضياً عند الله تعالى، أذن سبحانه بالشفاعة له بعكس من لم يكن مرضياً، وذلك على الخلاف الوارد فيمن هو المرضي؟ كما سيأتي بيانه في محله.
وأقول: بأن نظام السببية والتأثير إنما يعود في الحقيقة إلى الله تعالى، فما من شيء يحدث في الكون بأسره إلا بحسب إرادة الله تعالى، والأسباب ما هي إلا عوامل ظاهرية مؤثرة لتنفيذ إرادة الله الأزلية. وقد حكم الله تعالى منذ الأزل وقدر الأقدار، وسبب الأسباب بعلمه وعدله وحكمته، وبيّن للناس الحق والباطل والخير والشر، والصواب والخطأ، كما وعد وتوعد، وبشر وأنذر وجعل فريقا في الجنة وفريقا في السعير لا ثالث لهما، كل ذلك ليَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَينَةِ وَيَحْيِي مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهُ لَسَمِيعٌ
(10)
-
عَلِيمٌ، فلا واسطة بين الله وعباده، ولا شفاعة لتغير مراده، والإنسان - بجانب ذلك - مطالب بالأخذ بأسباب النجاة ولا يجوز له أن يتواكل، فيكون وسطا بين إيمانه بقضاء الله وقدره وبين الأخذ بالأسباب إذ الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية صريحة وواضحة ومبينة لما يطلبه الله من عباده وهو الاستسلام التام المطلق للواحد الديان، فلا ينفع الإنسان تعلقه بخيوط من الأوهام، بل عليه أن يكون مؤمناً حق الإيمان، يتصف بصفات المؤمنين، ويسلك المسلك الصحيح الأسلم، وأن لا يترك لشياطين الإنس والجن مجالا في
(63) المرجع السابق، جـ 1، ص 161. 64) المرجع السابق، جـ 1، ص 162. (65) سورة الأنفال، الآية: 42.