الشفاعة الأخروية
الجزء ١ · صفحة ٦٧الشفاعة.
الأخروية
ما تثبت الشفيع
:
63
إن من نظر إلى الآيات القرآنية التي تثبت الشفيع، يجد أنها مقيدة بإذنه ورضاه، والنفي فيها أعم والإثبات أخص، وذلك لأن كثيرا من الناس يتعلقون بدعوى الشفاعات منذ القدم، فكأن الله تعالى يحذرهم من ذلك التعلق، ويدعوهم الى العمل الخالص بما يقتضيه إيمانهم ويدعو إليه دينهم. فيبدأ الآيات بنفي الشفيع، ثم يستثني ذلك بإذنه، وهذا الإستثناء معهود في لغة العرب للدلالة على النفي القطعي، وأن كل شيء في الوجود لا يتم إلا بإذنه سبحانه، إذ هو مالك الملك فلا ينبغي للإنسان التعلق بمثل هذا الإستثناء، ويترك العمل الصالح الذي جعله الله تعالى أساس النجاة، ومصدر الفلاح، وعنوان الرقي في الدنيا والآخرة … ومن تلك الآيات:
1 - قوله تعالى: {مَنْ ذَا الذي يَشْفَع عِندَهُ إِلا بِإِذنِهِ (23).
تدل هذه الآية الكريمة على ثبوت شفاعة الشفيع بإذنه تعالى، وفيها بيان لملكوته وكبريائه وأن أحدا لا يتمالك أن يتكلم يوم القيامة إلا إذا أذن له في الكلام.
يقول الإمام الألوسي عند حديثه عن الإستفهام في هذه الآية: «والمقصود منه بيان كبرياء شأنه تعالى، وأنه لا أحد يساويه أو يدانيه بحيث يستقل أن يدفع ما يريده على وجه الشفاعة والاستكانة والخضوع فضلا عن أن يستقل بدفعه عنادا أو مناصبة وعداوة، وفي ذلك تأييس للكفار حيث زعموا أن آلهتهم شفعاء لهم عند الله تعالى
(110)
المعنى ذكره الإمام النسفي، والإمام الزمخشري "
(216)
(214)
ونظير هذا
هذا، وقد سبق سلفا أن صاحب المنار قد فسر الشفاعة الواردة في القرآن بمعنى الدعاء المحض الذي يليق بجلال الله وعظمته وذلك حتى لا يتعلق المسلمون بماتعلق به أهل الكتاب وغيرهم، من الإتكال على الشفاعات وترك ما جعله الله تعالى سببا لفلاحهم
213) سورة البقرة، الآية: 255 214) الألوسي، روح المعاني، ج 3، ص 9
215) عبدالله بن أحمد بن محمود النسفي، مدارك التنزيل وحقائق التأويل، 1، ج 3، دار الكلم الطيب، 1419 هـ - 1998 م، ص
209
216) الزمخشري، الكشاف، ج 1، ص 301.