الشفاعة الأخروية: دراسة عقائدية سلطان بن محمد بن زهران الحراصي

الشفاعة الأخروية

الجزء ١ · صفحة ٦٩

الشفاعة |

الأخروية.

الثاني: أن يكون الشافع أو الشفيع ندا للمشفع عنده كالخليل أو الصديق مثلا وفي هذه الحالة لا يستأذن قبل أن يتشفع بل هو بمقتضى الندية أو الصداقة أو الخلة، له أن يطلب ويلح ويصر على طلبه بما يشبه إلزام المشفع عنده، وهذا محال في حق لله تعالى، لأن الشفيع عبد الله، وهو ذليل مفتقر لمولاه، ولا يجسر على الشفاعة إلا بإذنه

تعالى.

الثالث: أن يكون الشافع دون المشفع عنده، وفي هذه الحالة لا يمكنه أن يتقدم عنده للشفاعة لأحد، ولأي طلب إلا إذا علم أنه سيقبل، وإلا إذا استأذن وأذن له، وذلك الاستئذان المسبق للشافع من المشفع عنده إقرار بالخضوع للمشفع عنده، وبسيادته عليه وهذه هي حالة الشفاعة الجائزة في حق الله تعالى لأنها بين عبد ورب، وعليه يكون شرط الاذن للشافع قبل أن يتشفع لازم من لوازم عبوديته وخضوعه للمشفوع عنده، وهذا الأمر

ينطبق في الشفاعة الأخروية.

(222)

فالمعنى أن الله سبحانه يعلم من عباده ما كان ويكون من خير وشر، ويعلم الشافع والمشفوع له، ومن يستحق العفو والثواب أو العذاب والعقاب، وما دام الأمر كذلك فلا يبقى مجال للشفاعة إلا بأمره تعالى ضمن الحدود التي يرتضيها (223).

يقول سيد قطب في تفسير هذه الآية: «وهذه صفة أخرى من صفات الله توضح مقام الألوهية ومقام العبودية فالعبيد جميعا يقفون في حضرة الألوهيه موقف العبوديه لا يتعدونه ولا يتجاوزونه يقفون في مقام العبد الخاشع، الذي لا يقدم بين يدي ربه، ولا يجرؤ على الشفاعة عنده الا بعد أن يؤذن له فيخضع للاذن ويشفع في حدوده ..... لا وهم يتفاضلون فيما بينهم، ويتفاضلون في ميزان الله، ولكنهم يقفون عند الحد الذي يتجاوزه عبد .... إنه الإيحاء بالجلال والرهبة في ظل الألوهية العلية، يزيد هذا الإيحاء عمقا صيغة الإستفهام الإستنكارية، التي توحي بأن هذا أمر لا يكون وانه مستنكر أن يكون فمن هو هذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه؟ وفي ظل هذه الحقيقه تبدو سائر التصورات المنحرفة للذين جاؤا من بعد الرسل فخلطوا بين حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية،

(222) فاروق الدسوقي، الشفاعة، سلسلة كتب التصوف الاسلامي، الكتاب السابع عشر، ص 23 بتصرف وزيادة. 223) ينظر محمد جواد مغنية، التفسير الكاشف، ج 3، دار العلم للملايين، بيروت، ص 394.