الشفاعة الأخروية
الجزء ١ · صفحة ٨٠76
الشفاعة الأخروية
الثالث: أنه يتناول الكل، لأنه لا عاقل إلا وهو يخاف الحشر سواء قطع بحصوله أو
كان شاكا فيه .... فعلى القول الأول يكون الأمر ظاهرا، إذ لا شفاعة للكفار والقول الثاني لا ينافي إثبات الشفاعة لأنها تكون بإذن الله تعالى
(270)
هذا، وقد أثبت صاحب المنار أن الآية نزلت في إنذار المؤمنين الذين يخافون الله
ويرجونه، فقد. أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وغيرهم، عن عبدالله بن
روي
مسعود أنها نزلت هي وما بعدها في صهيب وعمار وبلال وخباب ونحوهم من ضعفاء المسلمين السابقين الأولين ومعناها: «وأنذر بما يوحى إليك جماعة المؤمنين بك الذين يخافون أن يحشروا الى ربهم أي يخافون شدة وطأة الحشر، والقدوم على الله عز وجل وما فيه من شدة الحساب، وما يتبعه من الجزاء على الأعمال، وكل يأتيه فردا ليس له من دونه ولي ينصره، ولا شفيع يدفع عنه، إذ أمر النجاة متوقف على مرضاته عز وجل، فإن هؤلاء أن يتقوا الله تعالى اهتداء بإنذارك ويتحروا ما يؤدي إلى هم الذين يرجى مرضاته، لا يصدهم عن تقواه الاتكال على الأولياء، ولا الاعتماد على الشفعاء لصحة توحيدهم وعلمهم أن الشفاعة لله جميعا، وأن نجاتهم وسعادتهم إنما تكون بإيمانهم وأعمالهم، وتزكيتهم لأنفسهم، لا بانتفاعهم بصلاح غيرهم، أو اعتمادهم على شفاعة الشفعاء لهم، كالمشركين وغيرهم من الكافرين الذين جهلوا أن مدار سعادة الدنيا والآخرة على تزكي النفس وطهارتها بالإيمان الصحيح والأخلاق الكريمة، وما يلزمها من الأعمال الصالحة، التي يترتب عليها رضا الله عنها، لا على أمر خارج عن النفس لا تأثير له فيها (271).
ولا يمكن أن يوجه الإنذار في الآية إلى الكفار من أهل الكتاب وشذاذ المشركين، إذ لا يكاد في مكة أحد منهم عند نزول السورة ولا يعقل أن تكون الآية نزلت في إنذار هذا الشاذ النادر ولا حاجة في حال توجيه الإنذار إلى المؤمنين إلى تخصيصه بالمفرطين منهم، ولم يكن في المؤمنين يومئذ مفرط ولا مقصر، بل كلهم سابق بالخيرات مشمر، فهم السابقون الأولون الذين شهد الله تعالى لهم، وأثبت في كتابه رضاءه عنهم، والمأثور أن
270) الرازي، مفاتيح الغيب، ج 1، ص 245.244، بتصرف، والزمخشري، الكشاف، ج 2، ص 26، والقرطبي، الجامع لأحكام
القرآن، ج 6، دار الكتاب العربي، ص 431.
271) محمد رشيد رضا، تفسير المنار، ج 7، دار الكتب العلمية، بيروت،، ص 355.