الإباضية في الخليج العربي
الجزء ١ · صفحة ٣٥الفصل الأول
(19)
سيرة الخلفاء الراشدين.
الله عنه
"
ومن الواضح أن عصر الفتنة الكبرى، إبان خلافة على بن أبي طالب رضى قد شهد خليطاً من الأوضاع ومزيجاً من الأحداث جعلت الأمور أمام الفرق المختلفة غير واضحة المعالم ولا بيئة التفاصيل، الأمر الذي إنعكس بشدة على التصورات الفكرية والعقائدية للفرق الإسلامية بعد ذلك، إلا أن الإباضية في كل مؤلفاتهم تقريباً، كانوا أكثر هذه الفرق تعقلاً في إبداء آرائهم فعلى الرغم من شدة هجومهم على الدولة الأموية وهذا ليس بمستغرب على نشأة الفرقة ودواعى مقاصدهم وشدة هجوم الأمويين عليهم. إلا أنهم كانوا شديدي التعقل في آرائهم في ولاة الأمر، وبخاصة مسألة خلافة عثمان رضى الله عنه، فلم يجرحوا هذا الخليفة كما جرحته فرق كثيرة، ولم يشككوا في خلافته كما فعلت أيضاً فرق كثيرة. وهذه نقطة تحسب للإباضية وتزيد من رصيدهم باعتبارهم إحدى الفرق الإسلامية الأصلية، وأتاحت لهم تحقيق مآربهم في الخليج العربي على امتداد القرنين الثالث والرابع للهجرة.
4 - وأخيراً يظهر موقف الإباضية الصريح من رفض غلاة الخوارج، حيث قال ابن إباض في جلاء: «أما زعيم الخوارج - ابن الأزرق – فنحن نتبرأ منه لغلوه
•
وتشدده، وإفراطه في الأحكام، حين حكم في المسلمين المذنبين بالكفر!!» (1) وهذه الجملة تحدد التطور الفكري لفرقة الإباضية من جماعة الخوارج وأفكارها ولا سيما من حيث حكمها على المسلمين بالكفر، واستحلالهم دماء المسلمين. ومن ثم يعلن ابن إباض إنضمامهم (أى) الإباضية إلى الركب الأسلامي في نفوره من الغلو في فكر الخوارج، والالتزام بالاعتدال في الفكر الذي شهده التاريخ الحضاري
(1) ابن حميد الحارثى، العقود الفضية في أصول الإباضية ص 137