الإباضية مدرسة إسلامية بعيدة عن الخوارج
الجزء ١ · صفحة ١٠٧ومن الآيات المحذرة من
أشد الوعيد ما لا يتصور خطابها بحال لمن بعد الصحابة رضي الله عنهما، كقوله
تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: 2].
فإنّ رفع الأصوات فوق صوته صلى الله عليه وسلم لا يتصور بحال فيمن بعد عصره، إذ لم يكونوا معاشرين له، فيمكنهم أن يتبادلوا معه الحديث حتى يرفعوا أصواتهم فوق صوته، وإنما يتأتى ذلك لمن كانوا معاشريه ومشاركيه القول في مجلسه، وأنت ترى كيف تضمن خطاب الآية الكريمة أشدَّ الوعيد وهو إحباط الأعمال
بمجرد رفعهم الصوت فوق صوته صلى الله عليه وسلم.
وهو بلا ريب-تنبيه على أن مخالفة حكمه، والخروج عن طاعة الله وطاعته أولى بمثل هذا الوعيد الشديد، هذا وقد تعزز ما دلت عليه هذه الآيات من كونهم يترتب على أفعالهم وعدها ووعيدها كما يترتب ذلك على أفعال غيرهم أنهم توعد من يعد من أخص خاصتهم أشدّ الوعيد على ارتكاب محارم الله مقابلًا بأحسن الوعد حال التزم حدود الله، فقد خاطب الله أمهات المؤمنين رضي الله عنهن أشد الخطاب عندما قال: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذُلِكَ عَلَى اللَّهِ يسيرا} [الأحزاب: 30]. كما خاطبهن بأرجى خطاب في قوله: {وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا [الأحزاب: 31]، هذا مع إبانته لقدرهن وعلو مقامهنّ في قوله: {يَا
نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ} [الأحزاب: 32].
3. خطاب النبي (صلى الله عليه وسلم) لعشيرته وأهل بيته الطاهر:
حذر صلى الله عليه وسلم عشيرته وأهل بيته من الاغترار بقرابتهم منه وصلتهم به حتى شمل ذلك قرة عينه
وفلذة كبده السيدة فاطمة
رضي
الله عنهما، كما شمل عمه العباس وعمته صفية رضي الله عنهما، فعن أبي
106