الإباضية مدرسة إسلامية بعيدة عن الخوارج
الجزء ١ · صفحة ٣٤٥فيه للدولة الأموية. حيث قال إن أعظم بلاء على الأمة ومصيبة في الدين تحول نظام الحكم الذي كان يسود
الأمة من أقصاها إلى أقصاها من منهج رباني - يقوم على العدل والشورى ومحاسبة النفس والخوف والرجاء الله، من وينبني على عقد بين الأمة، والخليفة يكون الخليفة بموجبه بموجب أجيراً للأمة يحق تحقق لها مراقبته ومحاسبته على القليل والكثير كما يحق لها مع انحرافه عن الجادة أن ترده تزده إليها بالنصح والتقويم، فإن أبى كان لها عزلة ولو بالقوة إلى منهج شيطاني، يقوم على الجور وعلى الاستبداد وإعطاء النفس شهواتها في البطش بالأمة، وسلبها جميع حقوقها المادية والمعنوية وإطلاق يد المتسلط للعبث بأموالها وسفك دمائها ومعاملتها كقطيع من السوائم لا تجتلب لنفسها نفعًا ولا تدفع ضرًا، وقد كان هذا بلا ريب- حدًا فاصلًا بين عهدين في حياة الأمة، عهد القوة والعزة والكرامة وعهد الضعف والذلة والمهانة 1.
كان جميع المسؤولين في الدولة الإسلامية الأولى يعد أمة في رجل ورجلا في أمة، يحمل في نفسه هم الدين والدعوة إليه وهم الأمة، بل البشرية بأسرها، لأنه يحس من أعماق نفسه أنه مسؤول عن إصلاحها وترتيبها وإخراجها من الظلمات إلى النور ومن الضلال إلى الهدى ومن الجهل إلى العلم ومن الجاهلية إلى دين الإسلام الحق وهو مع نوئه بهذه الهموم يحمل هم الدار الآخرة ووعدها ووعيدها، فيتزاحم في قلبه عاملا الخوف والرجاء، ففي خوفه ما يصده عن كل سوء، ويحجزه عن إعطاء نفسه رغباتها، وفي رجائه من يبعث في نفسه همم الخير، ويؤجج عزائم الإيمان.
ومع
انحلال ذلك العقد وانطواء ذلك العهد، وبروز عهد جديد طوي عن الأمة كل ما كانت تعهده في العهد
الماضي من المزايا الخيرة فغارت ينابيع الخير وتحول روضها النضير إلى قفر يباب منطمس المعالم موحش للناظر. وقد بدأت هذه المرحلة المشؤومة في حياة الأمة بوثوب معاوية بن أبي سفيان على دولة الخلافة؛ لابتزاز السلطة من الخليفة الشرعي الذي بويع بإجماع أهل الحل والعقد، ليحولها إلى ملك عضوض ونظام
344
الاستبداد مظاهرة ومواجهته، ص 25.
1