الإباضية مدرسة إسلامية بعيدة عن الخوارج
الجزء ١ · صفحة ٤٤٦ولعل أول من نص على أهمية علم المقاصد بالنسبة إلى المجتهد - الإمام الشاطبي الذي قال فيه: إنما تحصل
درجة الاجتهاد لمن اتصف بوصفين:
-
أحداهما: فهم مقاصد الشريعة على كمالها.
ثانيهما: التمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها.
ثم تبين لي أن الشاطبي مسبوق إلى اشتراط اتفاق فهم المقاصد لبلوغ درجة الاجتهاد، وممن سبقه إلى هذا السبكي الذي نص في "الإبهاج" على اشتراط ممارسة فن المقاصد بقدر ما يكسبه قوة يفهم منها مراد الشرع في ذلك 2. وقد بين الشاطبي ارتباط الشريعة بالمصالح وكيف يراعي هذا الارتباط حيث قال: الشريعة مبنية على اعتبار المصالح، وأن المصالح إنما اعتبرت من حيث وضعها الشارع كذلك، لا من حيث إدراك المكلف، إذا المصالح تختلف عند ذلك بالنسب والإضافات 3.
أن
وهو كلام دقيق يجب ألا يفوت المجتهد عندما يبني اجتهاده على رعاية مقاصد الشريعة، فإن المصالح إنما يجب أن تؤطر في الإطار الشرعي وكل ما خالف الشرع فليس من المصلحة في شيء، وهذا يعني أنه يجب يوصد الباب في وجوه الذين يتلاعبون بالشريعة من خلال دعواهم أنهم يراعون المصالح ويهدفون إلى تحقيق المقاصد ولو كان ذلك على حساب الدين والأخلاق، فكم من الناس من تسوّل له نفسه لو فتح هذا الباب على مصراعيه أن يبيع الاتجار بالخمور أو التعامل بالربا بدعوى أن في ذلك رعاية للمصلحة
الاقتصادية الوطنية.
وربما استباحوا متذرعين بهذه الدعوى أو بغيرها بأن يفتحوا دورًا للبغاء ويشيعوا الفحشاء بين الناس بإباحة ممارسة الزنا زاعمين إنه يدفع أكبر الضررين بأصغرهما، وأنه لو لم تكن ثم دور لهذا الغرض ينفس فيها الشباب
1 الموافقات، 105/ 4 - 106.
2 الإبهاج في شرح المنهاج، السبكي وابنه، 18/ 2. 3 الموافقات، 106/ 4.
445