الإباضية مدرسة إسلامية بعيدة عن الخوارج
الجزء ١ · صفحة ٤٤٩ومع ذلك فإن الصدام المسلح بين دولتي الروم والفرس - اللتين كانتا تشكلان قوتين كبيرتين في العالم
وتتقاسمان معظم العالم المحتضر - ما كان يعني أولئك الأفراد من المؤمنين ولا كان يعني المجتمع الذي المجتمع
مدارك
الذي كانوا فيه، إذ لم يمتد إليه نفوذ أي واحدة من تلك الدولتين، وإنما أراد الله بهذا أن يوسع المسلمين وأن يفتح أبصارهم لمتابعة ما يجري في هذا العالم الفسيح حتى يكونوا على بصيرة منه وبهذا تهيأ أولئك الأفراد الذين كانوا نواة الأمة لأن يدخلوا معترك الحياة ببصيرة ووعي وأن يقودوا العالم المحتضر في سبيل الخير وأن يلموا بالأطوار التي تتعاقب عليهم وما ينتج عنها من مشكلات ليحلوا كل مشكلة منها بما آتاهم الله سبحانه من بصيرة وإدراك وما أحوج فقهاء عصرنا إلى الإلمام بظروف العصر وقضاياه التي تحتاج إلى حل فقهي سريع ليتميز الحق فيها من الباطل ويتبين الجائز من المحظور وقد نبه على هذا الفقهاء المعاصرون 1.
ويقول الدكتور يوسف القرضاوي: إن على المجتهد أن يكون ملمًا بثقافة عصره حتى لا يعيش منعزلًا المجتمع الذي يعيش فيه ويجتهد له ويتعامل مع أهله ومن ثقافة عصرنا اليوم أن يعرف قدرًا من علوم النفس والتربية والاجتماع والاقتصاد والتاريخ والسياسة والقوانين الدولية ونحوها من الدراسات الإنسانية التي تكشف له الواقع الذي يعايشه ويعامله، بل لابد كذلك من قدر من المعارف العلمية مثل الأحياء والطبيعة والكيمياء والرياضيات، ونحوها فهي تشكل أرضية ثقافية لازمة لكل إنسان معاصر.
وكثير من قضايا العصر وثيقة الصلة بهذه العلوم بحيث لا يستطيع أن يفتي فيها من يجهلها، فالحكم على الشيء فرع من تصوره، ولو بوجه ما وكيف يستطيع الفقيه المسلم أن يفتي يفتن في قضايا الإجهاض أو شكل الجنين أو التحكم في جنسه وغير ذلك من القضايا الجديدة إذا لم يكن لديه قدر من المعرفة بما كشفه العلم الحديث عن الحيوانات المنوية الذكرية والبويضة الأنثوية وطريقة تلاقى البويضة بالحيوان المنوي وتكون
1 بيان أثر الاجتهاد والتجديد، ص 41.
448