الإباضية مدرسة إسلامية بعيدة عن الخوارج
الجزء ١ · صفحة ٤٥٤الكتاب الكريم بدعوة المؤمنين إلى الانطلاق والتحرر والتفكير، جمدوا الإسلام من جهة أخرى على نظرات وبيئات وأزمنة مختلفة وقد عرف الإباضية منذ أول وهلة أن هذه الفكرة الجامدة لا تتمشى مع روح الإسلام
الذي يصلح لكل زمان ومكان فإن الإسلام بعد رسم الحدود التي لا ينبغي تخطيها، أراد للمسلمين أن ينطلقوا بمواهبهم وأفكارهم وعلومهم وأفهامهم إلى ميادين الحياة، يرودون المجاهيل ويفتتحون المغالق، وينيرون السبيل أمام أفواج البشرية في جميع الأعصار والأمصار، لم يحجر على أواخر الأمة ما أباحه لأوائلها، والمسلمون في جميع العصور لا يتفاضلون إلا بالتقوى والإيمان والعمل الصالح، والكفاح المتواصل في سبيل الله، باستثناء شرف صحبة لأولئك النفر الذين اختارهم الله أن يكونوا أصحاب محمد (صلى الله عليه وسلم) والدفعة الأولى التي تحمل مشعل الهداية لخير البشرية الضالة، إن حاجة المسلمين إلى المجتهدين في العصور المتأخرة وإلى أبحاثهم في هذه المشاكل الكثيرة التي تعرضها الحضارات المختلفة على الأمة، أشد من حاجتها إليهم في الأزمنة السابقة، ووصول العاملين في هذا الأمة إلى الاجتهاد أيسر في هذه العصور لسهولة المواصلات، وإمكان اتصال العلماء وحصولهم على جميع المصادر التي تساعدهم على أبحاثهم ومناقشتهم.
ولما كان الإباضية يعتقدون أن ما فتحه الله لأوائل هذه الأمة لا ينغلق عن آخرها وأن باب الاجتهاد الذي تركه محمد (صلى الله عليه وسلم) مفتوحاً على مصراعيه لا يمكن أن يغلقه مغلق الفهم ولذلك فقد ناقشوا قضية الاجتهاد والمستوى العلمي الذي يؤهل صاحبه للقيام بهذا العبء، وهل يصح الاختصاص فيه لمن استكمل شرائط الاجتهاد في قسم دون قسم؟ لئلا تتوقف الملكات والمواهب في ميدان من ميادين العلم والحياة، من أجل ميدان آخر تعمل فيه ملكات وعقول أخرى.
وقد قال العلامة الخليلي: ونحن نرى أئمة هذا المذهب في جميع أدوار التاريخ الذي نادى فيه المنادون بإغلاق باب الاجتهاد يرفعون عقيرتهم بأن الاجتهاد فريضة على من قدر عليه. فمنذ القرن الرابع الهجري الذي
453
51 - 50
المرجع السابق، ص. ص
1