الإباضية مدرسة إسلامية بعيدة عن الخوارج علي بن محمد بن محمد الصلابي [دارس عن الإباضية]

الإباضية مدرسة إسلامية بعيدة عن الخوارج

الجزء ١ · صفحة ٥٣٨

وربما جادل بعضهم في دلالة الآية على ذلك من حيث إن جمهور المفسرين حملوها على قتل الناس بعضهم بعضًا، وإن كان ظاهراً الخطاب يدل على قتل الناس نفسه، وذلك لأجل لفت انتباه الناس أن الجنس البشري لما يشده من العلاقات الاجتماعية والروابط الأسرية، كان واجبًا على أفراده أن يحسوا بمشاعر

تدمجهم وتنظيمهم جميعا في سلك الوحدة الشعورية لا سيما الأمم والمجتمعات التي تربط أواصر دينية أو دنيوية فتتأثر وتتضعضع بما يصيب أي فرد من أفرادها.

غير

حرم

أن هذه المجادلة مدفوعة من حيث إن المحافظة على النفس مقدمة على المحافظة على الجنس على الإنسان أن يتلف حياة غيره بغير حق لما للنفس الإنسانية من حرمات فإنه أولى أن يحرم عليه إتلاف حياته فيدخل في دلالة الآية الكريمة تحريم قتل الإنسان نفسه دخولا أوليًا.

ويؤكد ذلك استدلال عمرو بن العاص بها عندما امتنع عن الاغتسال من الجنابة، واكتفى بالتيمم خشية تأثير البرد عليه، وصلى بالناس وأقره النبي (صلى الله عليه وسلم) على صنيعه واستدلاله، ففي "مسند الربيع"، ما نصه: أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: خرج عمرو بن العاص إلى غزوة ذات السلاسل وهو أمير على الجيش، فأجنب فخاف شدة قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره

من

برد الماء فتيمم

فلما

أصحابه بما فعل عمرو فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يا عمرو لم فعلت ما فعلت ومن أين علمت؟ فقال: يا رسول الله وجدت الله يقول: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء: 29]. فضحك النبي) ولم يرد عليه شيئًا.

على أن المدخن لا يتسبب في قتل نفسه فحسب، بل يتسبب في إهلاك ما لا يحصي من الناس الذين يستنشقون رائحة دخانه وذكر العلامة الخليلي ما يتلف من الأنفس بالدخان القسري وما أحصى لذلك من ضحايا، على أن ذلك الإحصاء إنما هو قبل نحو ثلاثين عامًا من وقتنا هذا، ووعدهم لا يزال ينمو

537

المرجع السابق، ص 125.

1