الإباضية مدرسة إسلامية بعيدة عن الخوارج علي بن محمد بن محمد الصلابي [دارس عن الإباضية]

الإباضية مدرسة إسلامية بعيدة عن الخوارج

الجزء ١ · صفحة ٥٦٣

وهم لا يستحيون أن يناقضوا أنفسهم فيما يقولون، فكم ردد الذي تولى كبر هذه الدعوة منهم قصة السفينة العملاقة، التي أنشئت في أوائل القرن المنصرم وسميت "التيتانك" أي المارد، وذكر أكثر من مرة أن غرقها ما كان إلا عقوبة ما أصاب أهلها من الغرور والعجب بها، حتى صرح أحد المفتونين بإنجازها زاعماً – قاتله

الله – أن الله سبحانه غير قادر على إغراقها، ولم تتعقل وسائل الإعلام، بل أخذت تردد هذه المقولة الإلحادية؛ التي قالها بكل تبجح ووقاحة، فما لبثت أن صارت عبرة في التأريخ، وعظة لقوم يؤمنون 1.

—

التحذير من التقول على الله يغير علم:

بين العلامة الخليلي في كتابه القيم العقل بين جماع الطبع وترويض العقل خطورة التقول على الله بغير علم فقال: ما أحوج الإنسان إلى الاستبصار بنور العلم في درب حياته ومنحنياها، حتى يكون في ورده وصدره وعطائه ومنعه وقبوله ورفضه على بصيرة من ربه، وبينة من أمره؛ لأنه لم يخلق هملاً، ولم يترك سدى، وهو مسؤول عما قدم وأخر، لأنه مستخلف في أرض الله بأمر الله، وهو ينوء بأمانة ثقلت على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، فما أجدره أن يكون في حياته حذراً وجلاً يرجو رحمة ربه ويخشى عقابه، وما أحراه أن يصون أقواله وأعماله من آفات الجهل، وأفن العمى، وأن يستزيد في جميع الأحوال في العلم، فإن الله سبحانه قال لأعلم خلقه، وأنورهم بصيرة، وأطهرهم، سريرة، وأعدلهم سيرة، وأقومهم سلوكاً، وأوفرهم عقلاً: قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114]، وأوحى إليه عندما سُئل عن الروح: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوح قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمُ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) [الإسراء: 85] وقال له مخاطباً جميع عباده في شخصه: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36].

فالإنسان مهما أوتي من بسطة في العلم، وسعة في الإدراك، وعمق في الفهم، لا يخرج عن حدود الإنسانية القاصرة، ولا يتجاوز طور المخلوقية الناقصة، وما علمه الذي أوتيه بجانب جهله الذي أحاط به إلا كنقطة

562

المرجع السابق، ص 87.

1