الإباضية مدرسة إسلامية بعيدة عن الخوارج علي بن محمد بن محمد الصلابي [دارس عن الإباضية]

الإباضية مدرسة إسلامية بعيدة عن الخوارج

الجزء ١ · صفحة ٥٦٤

ماء في محيط لا ساحل، له ولا قعر فلا نسبة بين ما يعلمه وما يجهله إلا نسبة المحدود من المطلق، لذلك كان عليه أن يكون حذراً من أن يجترئ على القول بما لا يعلم فإن ذلك م كبائر الإثم المهلكة، كيف وقد قرنه الله تعالى بالإشراك به عندما قال تحذيراً وتنفيراً من مواقعة محارمه: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33].

وبهذا يتفاوت العقلاء المستبصرون، والحمقى، المغرورون، فالعاقل من ألجم فاه وعقد لسانه فلم يجترئ أن يقول على الله ما ليس له به علم، والأحمق من أطلق للسانه العنان فلم يبال بما يقوله؛ لعدم تفكيره في العواقب، ولأن الإعجاب بما عنده مما يحسبه علماً غزيراً، وفهماً عميقاً ملك عليه لبه، وسد عليه منافذ

الإدراك 1.

وهذا ما نجده في هؤلاء الذين اغتروا بعقولهم فإنهم بما غلب عليهم من الجهل المركب، والغرور المطبق، يتصورون أنهم أحاطوا بكل شيء علماً، وأن الدنيا والآخرة والملك والملكوت والأزل والأبد كل ذلك واقع تحت حيطة إدراكهم وفهمهم، فلا يشذ منها شيء عن دائرة علمهم ومحيط تصورهم، سواء ماكان من عالم الأرواح، أو ما كان من عالم الأبدان.

مع

ناهيك أنهم قدموا ما تصوروه بحماقتهم وجهلهم من معاني القرآن على ما قاله الرسول (صلى الله عليه وسلم) بياناً له، أنه هو الذي أنزل عليه وأمر بتبنيه، كما أمر بتبليغه فقد قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44]، دع العلماء الربانيين والفقهاء المحققيين فإنهم في موازنيهم هم أقل من قلامة ظفرهم،

وشسع نعلهم، وأين هذه الأخلاق الساقطة من أخلاق العلماء؛ الذين أورثهم الله سبحانه خشيته، وأودع

563

العقل بين جماح العقل وترويض الشرع، ص 150.

1