الإباضية مدرسة إسلامية بعيدة عن الخوارج
الجزء ١ · صفحة ٥٨٧بسم
الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد: فإن الله تبارك وتعالى - ائتمن الإنسان على كل جارحة من جوارحه ليسخرها في رضى الله -تعالى- أولاً، ثم لما فيه مصلحة بني جنسه ثانياً، ومن بين هذه الجوارح اللسان، واللسان أخطر الجوارح جميعاً؛ لأن اللسان قد يؤثر أثراً بالغاً، فباللسان يمكن للإنسان أن يضل أو يهدى غيره، ويمكنه باللسان أن
يموه الحقيقة ويجعل من الحق باطلاً، ومن الباطل حقاً، من الغي رشداً، ومن الرشد غياً، ومن الفساد صلاحاً، ومن الصلاح فساداً، ومن الانحطاط رقياً، ومن الرقي انحطاطاً، فاللسان عندما يتسلط على شيء ما ولم
يكن صاحبه متحرياً في استعمال ما يرضي الله تبارك وتعالى - بحيث لم يكن مراقباً لله في تصرفاته وفي
أعماله لا ريب أنه يؤدي إلى خطر كبير.
وهل كان خلال الضلال وانحراف المنحرفين، وفساد الفاسدين إلا بتأثير من الألسنة الخبيثة التي انحرفت فحرفت، وضلت فأضلت، لأجل هذا جاء في حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) التنبيه على خطورة ما يأتي به الإنسان من خلال نطقه، فقد قال في نصيحته لمعاذ رضي الله عنه: " ألا أخبرك بملاكِ ذلِكَ كلّهِ؟ احفظ هذا"، وأشار إلى لسانه، فقال: يا رسول الله أننا مؤاخذون بما نقول؟ قال له: " ثَكِلتك أمك يا معاذ، وَهَل يَكُبُّ النَّاسَ في النَّارِ على وجوهِهِم أو على مناخرِهِم إِلَّا حَصائدُ ألسنتهم" (رواه الترمذي وابن ماجه). وجاء في الحديث الشريف: " ألا هل عَسَى رجلٌ مِنكُمْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِالكَلِمَةِ يُضْحِكُ بِهَا القَومَ؛ فَيَسْقُطُ بِما أَبْعَدَ مِنَ السَّماءِ، أَلا عَسَى رجلٌ مِنكُمْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِالكَلِمَةِ يُضْحِكُ بِمَا أَصحابَهُ؛ فيسخط الله بها عليه؛ لا يرضى عنه حتى يدخله النارَ." راوه أنس بن مالك، وجاء في الحديث: " إِنَّ أحدكم ليتكلَّمُ بالكلمةِ مِن رِضوانِ اللهِ ما يظنُّ أن تبلغ ما بلغَتْ؛ فيكتبُ اللهُ لَهُ بها رِضوانَهُ إلى يوم يلقاه، وإنَّ أحدَكُم ليتكلَّمُ بالكلمةِ مِن سخط الله ما يظنُّ أن تبلغ ما بلغَتْ؛ فيكتبُ اللهُ لَهُ بها سخطَهُ إلى يوم القيامة " (رواه بلال بن الحارث المزني).
586