الإباضية مدرسة إسلامية بعيدة عن الخوارج علي بن محمد بن محمد الصلابي [دارس عن الإباضية]

الإباضية مدرسة إسلامية بعيدة عن الخوارج

الجزء ١ · صفحة ٧٩١

وكان موقف الإمام أحمد ومعاصريه من أئمة السنة هو الإنكار التام والرفض المطلق لأي حق للدولة في التدخل في شؤون العقيدة أو الشريعة، وبعبارة أوضح كان أحمد ونظراؤه يرون أنه لا سيادة للدولة وأصحابها في مجال الشريعة والفقه وأن السيادة هنا للأمة التي تختار أئمتها الذين تقلدهم قيادة الرأي فيها، وتقبل قولهم فيما يجوز ومالا يجوز من أمور الحلال والحرام وليس على الخليفة وأعوانه الدولة إلا الوقوف عند حدود الله كما بينها هؤلاء العلماء الثقات.

وقد كان هذا المعنى واضحاًكل الوضوح عند الناس " الأمة" الذين رفعوا أحمد بن حنبل إلى مكان لم يرفعوا إلى مثله فقيهاً أو محدثاً قبله ولا بعده وهذا الموقف يبين أن الأمة ليست بالجهل الذي يصورها عليه بعض المتعالمين، بل هي عرفت الحق، ووقفت معه وميزت بين من يخلصون القول العمل عن بصيرة نافذة ورؤية واعية، ومن أحسنوا فهم العلم وجمع أدلته ومسائله ولكنهم لم ينجحوا في اختيار الثبات على الحق والدفاع.

إن ضجة القائلين بخلق القرآن كانت صدى لخلافات منهجية ضخمها تدخل السياسة وأسكتها الموقف العظيم لأحمد بن حنبل ومن سار سيرته وإن منطق المعتزلة وقهرهم الناس عليه يجعل القرآن محل جدل مستمر، يفرض فيه رأي بالجدل أو القوة وينفيه الجدل والقوة، فتنفتح أبواب المراء وهو خطر تسد الذرائع إليه في كل المذاهب، وإن المحاولة العقيمة التي قام بها المعتزلة في هذا الصدد لم تكن فيها فائدة في العقيدة أو في عمل صالح، بل كانت رياضة جدلية فيها تشقيق كلام وتشكيك فكر وتقسيم وحدة، ثم كانت سيرة الذين نذروا أنفسهم لفرضها مانعاً من قبولها يقول أبو حيان التوحيدي في المتكلمين: إن الطريق التي لزموها وسلكوها لا تقضي بهم إلا الشك والارتياب لأن الدين لم يأت بكم ولا بكيف في كل باب، ويقول كان الأصحاب الحديث، أنصار الأثر مزية على أصحاب الكلام والقلب الخالي من الشبهة أسلم من الصدر

790

223

المرجع السابق، ص 3

تاريخ موجز للفكر العربي، حسين مؤنس، ص 217.

1

2