الإباضية مدرسة إسلامية بعيدة عن الخوارج
الجزء ١ · صفحة ٨٤١ويؤيده أن الآية الثالثة خوطب بها المؤمنون تحذيراً لهم من التثبت بالأماني والاتكال على نيل الشفاعة. فإن
قيل: إن الله وعد بقبول توبة التائبين من عباده فهم ليسوا بحاجة إلى شفاعة أحد.
قلنا: إن وعد الله لا يخلف ولكن لا يعلم أحدا أن توبته بعينه مقبولة أولا، لأن الإنسان عرضة للخطأ والتقصير وإن من فضل الله على عباده أن رفع بعضهم فوق بعض درجات، وإنما يأذن سبحانه لمن يشاء في ذلك إظهار لمزية هؤلاء الشافعين ورفعة درجاتهم، كما أن في ذلك بيان لفضل الله على التائبين بأن يتقبل توبتهم وقد حكى الله دعاء حملة العرش حيث قال: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الجَحِيمِ ـ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ العظيم [غافر: 7 - 9]. فهولاء مع كونهم تائبين متبعين لقول الله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الشورى: 5].
قلنا: هذا مجمل بينته تلك الآيات السابقة، ومن المعلوم أن المجمل يرد إلى المبين، ولو أخذ بما يقتضيه ذلك الإجمال حسب ظاهره بعموم لفظه لزم أن يكون دعاؤهم بالمغفرة شاملاً للمشركين، والملاحذة، لأنهم ممن في الأرض، وهو معارض لقوه تعالى: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الجَحِيمِ} [التوبة: 113].
لقد اتضح موقف الإباضية في نفي الشفاعة عن مرتكب الكبيرة، إذا خرج من الدنيا بدون توبة منذ القرون الأولى، فلا شفاعة لمن استوجب النار ولا شفاعة لمن دخل فيها حتى ولو كان موحداً وأورد الإمام جابر بن
840
75 - 74
شرح غاية المراد، ص. ص
1