الإباضية مدرسة إسلامية بعيدة عن الخوارج
الجزء ١ · صفحة ٨٧٩احترام حقوق الجيران:
—
قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَحُورًا﴾ [النساء: 36]. ويقول عليه السلام: "ما يزال" أخي جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه يورثه". إن لهؤلاء الذين ذكرتهم الآية حقوقاً على الإنسان ومن بينهم الجيران، ذلك أن الإنسان لا يعيش مع قرابته فحسب، وإنما يتعاون مع من حواليه وإن لم يكن بينه وبينهم أية قرابة ولن يكون ذلك إلا بالإحسان الخالص لوجه الله تعالى. وهذا الإمام جابر يترجم هذه المعاني الإسلامية السامية التي تبين أن الإنسان لا ترتفع درجة إيمانه إلا إذا أمن جاره بوائقه وذلك أنه أهدت له جزور (وهي ما يصلح لأن يذبح من الإبل (فأمر أصحابه بنحرها وتوزيعها على الجيران، فوفّى هؤلاء في نصيب الإمام جابر فلما تناوله واستكثره وقال: "أكل جيراننا أصاب مثل هذا؟ قالوا: لا، قال "واسوأتاه! ساووا بيننا وبين جيراننا " ". إن الإمام لم يقبل أن يكون نصيبه أكثر من نصيب جيرانه؛ لأنه أراد أن يعمّ هذا الخير أكثر ما يمكن من هؤلاء الجيران متطلباته أسرهم، واعتبر أن استئثاره على هؤلاء بنصيب أوفر مصيبة (واسوأتاه). ويعني أنه سوء كبير
يستغيث بالله أن يحفظه منه.
إنها حركة تبدو بسيطة في ظاهرها، ولكنها عظيمة الشأن في حقيقتها، ذلك لأن الناس اليوم قد غفلوا عن هذه المعاني خصوصاً في المدن المزدحمة حيث لا يفصل بين الجيران في العمارات الضخمة سوى خشبة في بعض الأحيان لا يبلغ سمكها سوى 5 سم، لكنك تسأل هؤلاء الناس عن بعضهم البعض فتعجب أنهم لا يعرف أحدهم الآخر، فكيف سيفكر في مصالحه وحقوقه؟ إنّ هذا وذاك وغيره عرفته مجتمعات اليوم لأنها ابتعدت عن كتاب الله الذي يأمر بالإحسان إلى الجار وذي القربى الذي يجمع بين ثلاثة حقوق، حق
878
الشماخي: السير، ج 1، ص 71.
1