أبو يعقوب الوارجلاني أصوليًا: دراسة لعصره وفكره الأصولي مقارنًا بأبي حامد الغزالي مصطفى بن صالح بن إبراهيم باجو

أبو يعقوب الوارجلاني أصوليا

الجزء ١ · صفحة ١٩٢

مزاعمهم وآراءهم الشاذة وقلبهم للشريعة رأسا على عقب، بانتهاك الحرمات واستحلال المحرمات.

وتصدّى أيضا للفريق المقابل، وهم غلاة المشبهة الذين حملوا نصوص القرآن على ظاهرها كلها وفسّروا آيات الصفات بما يعقلونه من أنفسهم وأجسامهم، فضلوا وأضلوا.

ولم يألُ أبو يعقوب جهدا في ربط المسائل الأصولية بجذورها العقدية، نظرا للترابط الوثيق بين أصول الفقه وأصول الدين. ومثال ذلك قضية التحسين والتقبيح وعلاقتها بالمصالح في الشريعة، فأفردها بمباحث

تفصيلية ضافية.

كما ربط مباحث الحكم الشرعي، أو الأحكام الخمسة المتعلقة بأفعال العباد بأصول الدين، وذلك بالتمهيد لها بحديث عن أفعال المكلفين وقضية الجبر والاختيار ومناقشة آراء الفرق الإسلامية، وبخاصة

منها المعتزلة.

وعلى نفس النهج سار في مسائل اللغات والكلام، وفي الأمر والنهي، والتبليغ وغيرها.

ولئن انتقدنا عليه التوسع في المسائل الكلامية، بما لا تسمح به طبيعة النظرة الأصولية المتخصصة، فإن عذر أبي يعقوب أنه رجل متكلم بالدرجة الأولى، ولا بد أن يظهر أثر توجهه الكلامي في مؤلفاته، مهما تخصصت وابتعدت عن مجال علم الكلام.

كما حرص الوارجلاني على تنزيل قضايا الأصول إلى أرض الواقع والتطبيق، وتجلى ذلك واضحا في مسائل الاجتهاد، فلم يقف عند تعريف الاجتهاد وتحديد مجالاته، بل أورد نماذج عديدة لقضايا اجتهادية في غاية الأهمية. وكثير منها تتعلق بالفقه السياسي، الذي نال حظا ضئيلا من اجتهادات الفقهاء عبر التاريخ الإسلامي، وكان ضمور هذا الفقه سببا رئيسا للنكسات العديدة التي لا زال المسلمون يتجرعون عواقبها

-117 -