أبو يعقوب الوارجلاني أصوليًا: دراسة لعصره وفكره الأصولي مقارنًا بأبي حامد الغزالي مصطفى بن صالح بن إبراهيم باجو

أبو يعقوب الوارجلاني أصوليا

الجزء ١ · صفحة ٢٣٧

ولا نحسب أننا جاوزنا الحقيقة إذا زعمنا أنه يندر وجود مؤلف أصولي وبخاصة على منهج المتكلمين يخلو من إيراد المسائل الكلامية، إن في فاتحة الكتاب أو في ثنايا مباحثه وأبرز مثال على ذلك تعرُّضُ معظم الأصوليين لإثبات حجية أصول الفقه من كتاب وسنة بأدلة مستفيضة هي من صميم علم الكلام.

فإذا كانت نبوة الرسول الا الله ثابتة في علم الكلام، وكان ما يبلغه حجة، كتابًا أو سنة، فإن الحديث عن حجيتهما في أصول الفقه تأكيد لما تقرر في علم العقيدة أو الكلام.

ولكن الملاحظ أنه لا يمكن الاستغناء عن هذه المباحث وإخراجها من علم أصول الفقه، بعد أن أصبحت من صميم قضاياه وموضوعاته، لأنها تربط دارس الأصول بجذور القضية وبأساسها التوثيقي، وهو إثبات حجية مصادر التشريع. وفضلا عن ذلك، فإن العلاقة بين العلمين؛ أصول الفقه وعلم الكلام، تبدو أكثر توطّدا إذا أدركنا أن علم الكلام ذاته بحاجة إلى أصول الفقه كحاجة أصول الفقه إليه.

فعلم الكلام يستدل بنصوص الكتاب والسنة، ويستفيد من قواعد تفسير النصوص المقررة في أصول الفقه، لإثبات العقائد تلك من النصوص، وما يتعلق بعالم الغيب والدار الآخرة ونحوها من قضايا العقيدة. ولا يمكن تقرير هذه القضايا ابتداء إلا بعد إثبات حجية مصادر هذه النصوص المشتملة عليها، ثم دراسة طريق دلالة تلك النصوص على مضمونها ومعانيها، وهو مستفاد من علم أصول الفقه.

ويتبين من هذا أن بين العلمين تكاملا، وتبادلا في الاستفادة والتأثير، لا يمكن إنكاره أو إهماله، وهو ما قرره القاضي عبد الجبار بقوله: وإنما نذكر الآن جُمَل الأدلة لوقوع الحاجة إليها في باب معرفة أصول الشرائع، والوعد والوعيد، والأسماء والأحكام، والأمر بالمعروف والنهي

-2310

-