أبو يعقوب الوارجلاني أصوليا
الجزء ١ · صفحة ٢٣٩إياها في صورة تمثيلية طريفة هي أن الإيمان له باب ومدخل، وعليه إقليد ومقفل، وهو الكتاب والسنة والرأي، ومفتاح الباب أصول اللسان وأصول الجنان. فأصول اللسان اللغة والنحو، وأصول الجنان المنطق والفقه، وهذه الأربعة الأصول لا غنى لسبيل الهداية عنها، إذ باللغة يكون البيان، وبالنحو يكون التبيان، وبالمنطق تظهر حجج البرهان، وبأصول الفقه تظهر معاني القرآن فنسبة صناعة المنطق إلى العقل في المعقولات، كنسبة صناعة النحو إلى اللسان في المقولات» (1).
رغم هذه العناية المشتركة بين الوارجلاني والغزالي، بعلم المنطق فإن الاختلاف بينهما تجلى في تباين أثر الصنعة المنطقية في كتابيهما، إذ نجدها أكثر ظهورا في المستصفى منها في العدل والإنصاف، بينما كانت عناية الوارجلاني متجهة إلى جانب البيان أكثر منها إلى جانب ضبط الحدود والاصطلاحات المنطقية. والوارجلاني، وإن استعمل المنطق العقلي في الاحتجاج، فإنه لم يكن يلتزم دوما قواعد أهل المنطق من العناية الخاصة بالتعاريف والتقاسيم، وضبط القياسات والاستدلالات في صورها المنطقية، مثلما هي في كتب المتكلمين المتأخرين الذين ناصروا اتجاه الغزالي، بل إنهم أربوا عليه بالتوسع في مباحث المنطق؛ حتى صارت مؤلفاتهم الأصولية في شكلها وروحها أقرب إلى كتب أهل الكلام والمنطق منها إلى منهج الرسالة كما وضعه
الإمام الشافعي ونحن إذ نذكر الرسالة، فإننا نرمي إلى إيضاح الفارق بين ما آلت إليه كتب الأصول للمتأخرين من المتكلمين وبين ما كانت عليه الرسالة التي ينتسبون إلى منهجها.
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، صحفات 1 - 2.
-233 -